أصدقاء "إسرائيل" المزيفون: قراءة في إرث "ليندسي غراهام"
ترجمة الهدهد
بمجرد الإعلان عن وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، سارعت "إسرائيل" بوصفه "أعظم صديق لها"، ولبرهة وجيزة، تحول الراحل إلى بطل قومي في أعين "الإسرائيليين"، الذين باتوا يشعرون بأن قائمة أصدقاء بلادهم في العالم قد تضاءلت حتى قاربت الصفر.
هذا الشعور بالعزلة بدا جلياً قبل أيام؛ فعندما التقى المنتخبان الإسباني والفرنسي في نصف نهائي بطولة أوروبا، انحاز تعاطف ا"لجمهور الإسرائيلي" تلقائياً نحو المنتخب التابع للدولة "الأقل عداءً" لـ "إسرائيل" بين الاثنين.
"إسرائيل" تعشق من تصنفهم أصدقاء، وتصب جام غضبها على من تراهم أعداءً. بيد أن هذه التعريفات مشوهة ومضللة؛ فأصدقاء "إسرائيل" -وفق هذا المنظور- ليسوا عادةً الأفضل لها، ومنتقدوها ليسوا الأسوأ، بل إن العكس هو الصحيح في معظم الأحيان.
يبرز السيناتور "غراهام" كمثال صارخ على هذه الجدلية. فمنذ استهلال مسيرته السياسية، واظب على تقديم دعم مطلق ومساعدات غير مشروطة لـ "إسرائيل". ومن الصعب تحديد المنبع الدقيق لهذا التأييد الأعمى؛ هل يرجع إلى السبعينيات عندما كان طالباً للقانون في جامعة "ساوث كارولينا"، أم إلى خدمته في سلاح الجو الأمريكي خلال الثمانينيات، أم إلى عقده الأول في الكونغرس في التسعينيات؟ المؤكد أنه كـ "صقر حربي" متشدد، وجد في "إسرائيل" تجسيداً لرؤيته للعالم، خصوصاً وأن "إسرائيل" في تلك العقود الماضية كانت تبدو أفضل حالاً.
لقد تغيرت "إسرائيل" جذرياً منذ ذلك الحين، لكن غراهام ظل متشبثاً بموقفه السلبي الأعمى دون تغيير. فالرجل الذي لم يجد حرجاً في مايو 2024 في التلميح إلى إلقاء قنابل ذرية على قطاع غزة ودعا لتدميره بالكامل، استمر في دعم "الجنون الإسرائيلي"، وتحول إلى محرض علني على جرائم الحرب.
عندما يدعو سيناتور مخضرم دولة أخرى لارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فإن ذلك لا يمت للصداقة بصلة، بل هو تواطؤ صريح في الجريمة.
وإذا كان تعاطفه مع "إسرائيل" السابقة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي أمراً مفهوماً سياقياً، فإن إعجابه الأعمى بها في سنواته الأخيرة يظل أمراً عصياً على القبول. ومع ذلك، خرج الصحفي "باراك رافيد" وعيناه تدمعان ليعلن أنه كان يتحدث مع غراهام هاتفياً بشكل يومي تقريباً على مدار العامين الماضيين، مؤكداً أن السيناتور لم يكن يحب "إسرائيل" فحسب، بل كان عاشقاً "للهوية الإسرائيلية".
عن أي هوية "إسرائيلية" كان يتحدث غراهام؟ ينقل "رافيد" عن السيناتور إعجابه بروح الدعابة والبساطة والعفوية التي يتمتع بها "الإسرائيليون"، وشعوره بالراحة المطلقة خلال زياراته المتكررة. هذا كلام يبعث على الرضا والغرور السطحي، لكن ماذا عن الوجه الآخر لهذه الهوية؟
ماذا عن "الهوية الإسرائيلية" التي تؤيد الإبادة الجماعية في غزة تأييداً شبه إجماعي؟ تلك التي تؤمن بيقين راسخ بالسيادة اليهودية المطلقة من النهر إلى البحر؟ وتلك التي تبدي تفاهة ولامبالاة مطلقة حيال الفظائع التي تُرتكب باسمها يومياً على بعد نصف ساعة فقط بالسيارة من منازلهم المستقرة؟
لقد تعمد غراهام وأمثاله إغلاق أعينهم عن هذه الهوية البشعة، التي باتت تصبغ "إسرائيل" وتعرّفها اليوم أكثر من أي خفة ظل أو عفوية مصطنعة. أم تراهم كانوا يحبون هذا القبح أيضاً؟ ربما كانت قسوة هذه الهوية تحديداً هي ما يمنحهم شعوراً بالراحة وهم يحتسون "الجن والتونيك" مع قادة وجنرالات عائدين لتوهم من ساحات القتال.
إن الخيارات السياسية والأخلاقية لهؤلاء "الأصدقاء الأواخر" تعنيهم وحدهم، لكننا نحن من تُركنا مع خياراتنا المشوهة التي لا تطاق. ففي السنوات الأخيرة، أصبح كل من نعتبره "صديقاً حقيقياً" لـ "إسرائيل" إما عنصرياً، أو متطرفاً، أو شعبوياً مناهضاً للديمقراطية، أو كارهاً للمسلمين، بل إن بعضهم لا يخلو من معاداة السامية. ويكفي أن تنظر إلى القائمة لتعرف الحقيقة: من "أوربان" و"بولسونارو"، إلى و"يلدرز ولوبان"؛ هؤلاء هم من تخبرنا السلطة أنهم أصدقاؤنا.
بدلاً من تمجيد هؤلاء الأشخاص البغيضين، كان أحرى بنا السعي لبناء صداقات من نوع آخر. كان يمكننا الحلم بأن يكون شخص مثل "زوهارن ممداني" صديقاً لنا؛ فهو رجل يحمل قيماً وأخلاقاً حقيقية، وبمقدوره أن يحب "إسرائيل" مختلفة. "ممداني" يمثل المستقبل، بينما يمثل "غراهام" الماضي البائد.
كان يجدر بنا أن نطمح لاستعادة صداقة روجر ووترز، وبيرني ساندرز، وجيريمي كوربين. لم يولد أي من هؤلاء معادياً للسامية أو كارهاً بالفطرة لـ "إسرائيل"، وكان بإمكانهم دعم "إسرائيل" مغايرة وأكثر إنسانية، لو كانت مثل هذه الدولة موجودة بالفعل.
في المحصلة، لم يكن السيناتور "ليندسي غراهام" يوماً صديقاً حقيقياً لـ "إسرائيل"؛ بل كان، وبكل بساطة، صديقاً ومصفقاً لمجرم حرب.
صحيفة "هآرتس"/ "جدعون ليفي"