ترجمة الهدهد

بدأت ملامح "رائحة الهزيمة" الوشيكة تهيمن على أروقة حزب "الليكود" و"ائتلاف نتنياهو" الحاكم في "إسرائيل"، وسط مؤشرات متزايدة تفيد بأن كتلة "رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو" لن تتجاوز حاجز الـ 50 مقعداً في الانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في 27 أكتوبر.

ويفتح هذا التراجع المتوقع الباب أمام أحزاب المعارضة لتجاوز عتبة الـ 60 مقعداً وتشكيل الأغلبية، لينهي حالة الوهم السياسي السائدة، وتأتي هذه التوقعات لتضع حداً للسيناريو المبتذل حول كيفية تشكيل حكومة بدون أغلبية، خاصة في ظل مؤشرات واضحة على فقدان الثقة داخل الائتلاف نفسه، والتي تجسدت في الترتيبات المستقبلية المسربة التي طلبتها "سارة نتنياهو" لعائلتها تفادياً لطريق مسدود، وتستند هذه الرؤية التحليلية إلى ستة أسباب بنيوية رئيسية تؤكد تفوق أحزاب المعارضة وجاهزيتها لقلب الموازين السياسية:

أولاً: نسبة المشاركة في الانتخابات:

تواجه استطلاعات الرأي العام صعوبة بالغة في رصد التحولات الحاسمة في نسب المشاركة؛ ففي انتخابات عام 2022، أدت نسبة المشاركة المرتفعة إلى انهيار حزب "ميرتس" وتعزيز تفوق "نتنياهو" الذي استنزف حينها قاعدة مؤيدي "الليكود" وحثهم على التصويت.

أما هذه المرة، فإن الآية تنقلب ضده تماماً؛ إذ تشهد الساحة صحوة ملحوظة وغير مسبوقة بين الناخبين العلمانيين، في مقابل تراجع حاد في حماس وتعبئة ناخبي "الليكود" في مناطق الأطراف (الضواحي) التي تضررت بشدة من تبعات الحرب. ويمثل هذا التدفق المتوقع للصوت العِلماني أكبر مخاوف "نتنياهو"، كونه يهدد مباشرة بقاء بعض أحزاب ائتلافه، ويمنح كتلة المعارضة مقعدين إضافيين على الأقل.

ثانياً: استعدادات وتخبط الأحزاب الصغيرة:

على عكس التنسيق الدقيق الذي شهده عام 2022، يفقد "نتنياهو" سيطرته الحازمة على الأحزاب الصغيرة في معسكره. فرغم أن استطلاعات الرأي تمنح وزير الصهيونية الدينية "بتسلئيل سموتريتش" مقعداً ونصف مقعد مقتطعة من "الليكود" لتطمينه بتجاوز نسبة الحسم، إلا أن هذا الدعم "الحردالي" غير مضمون؛ إذ قد يعود هؤلاء الناخبون لـ "الليكود" أو يتشتتون لصالح "موشيه فيجلين" أو "إيتامار بن غفير".

ولن يتمكن "نتنياهو" هذه المرة من إجبار "بن غفير" على ضم "سموتريتش" في قائمة موحدة لعجز الأخير عن توزيع حقائب وزارية مسبقة كغنائم في ظل توجهه نحو الهزيمة. وبناءً عليه، فإن خطر هدر وتشتيت أصوات كتلة اليمين بسبب "سموتريتش" و"فيجلين" يبدو واقعياً جداً، في حين تظهر المعارضة انضباطاً عالياً، حيث يُتوقع أن تندمج الأحزاب الصغيرة والاحتياطيون -بفعل المسؤولية الوطنية لشخصيات مثل "حيلي تروبر" و"هاندل"- في القوائم الرئيسية لمنع ضياع أي صوت.

ثالثاً: إلغاء الانتخابات التمهيدية في "الليكود":

واجه حزب "الليكود" معضلة اختيار صعبة لإعداد قائمته الانتخابية: إما الإبقاء على الانتخابات التمهيدية (البريمرز) لتنشيط القواعد الميدانية مع المخاطرة بصعود شخصيات تثير الجدل وغير مرغوب فيها انتخابياً مثل "تالي غوتليب" و"دودي أمسالم"، أو إلغاؤها لصالح لجنة تنظيمية تحت سيطرة "نتنياهو" لخلق صورة زائفة لقائمة وطنية تحاكي الحزب القديم.

وتتجه المؤشرات حالياً نحو حل وسط مشوه يمنح "نتنياهو" تحصين ثمانية مقاعد، مع إلغاء النظام القديم الذي كان يسمح لنشطاء المناطق والمهاجرين بالترشح والترقي البرلماني. هذا الإجراء أصاب أعضاء مركز الحزب والنشطاء الميدانيين بالإحباط بعد فقدانهم الأمل في منافسة أعضاء "الكنيست" الحاليين، مما سيؤدي إلى امتناعهم عن العمل وحشد الأصوات يوم الاقتراع، فضلاً عن بقاء الوجوه الجدلية في صدارة المشهد.

رابعاً: معضلة "الحريديم" والخط الأسود الفاصل:

تتجه الكتلة التي يقودها نتنياهو إلى خسارة مقعدين إضافيين على الأقل نتيجة إجبار شركائه على دعم قوانين ثيوقراطية معادية للصهيونية، وهو ما رسم خط فصل واضحاً سماه الشارع بالـ "الخط الأسود" عوضاً عن الخطوط السياسية التقليدية (يمين ويسار).

وجاء تجميد المحكمة العليا لقانون إلغاء اعتقال الفارين من الخدمة العسكرية من "الحريديم" ليعمق الأزمة، خاصة بعد اعتزال وزير الاستيعاب "أوفير سوفر" ومعه "موشيه سولومون"، مما حول حزب "سموتريتش" الصهيوني إلى مجرد قوة مساعدة للفصائل الحريدية بقيادة "إسحاق غولدكنوف"، و"موشيه غافني"، و"أريه درعي".

ورغم محاولات "نتنياهو" طمأنة الحلفاء بأن "الكنيست" المقبلة يمكنها إبطال قرارات المحكمة العليا، إلا أن "الناخب الإسرائيلي" بات يرى في هذا التحالف خياراً حاداً بين دولة حريدية وأخرى يهودية صهيونية، مما أقصى قسماً كبيراً من ناخبي اليمين التقليدي.

خامساً: غياب الوعد الانتخابي:

في انتخابات خريف عام 2022، نجح نتنياهو في استقطاب الجماهير عبر تقديم "وعد قاطع بحسم النتيجة" لإنهاء جولات الانتخابات المتكررة؛ أما اليوم، فقد فقدت الكتلة هذه الورقة الرابحة تماماً. فلم يعد "نتنياهو" قادراً على صياغة رواية انتخابية مقنعة أو تقديم وعد بالاستقرار، بل يتركز كل جهده حالياً حول "الاحتواء" ومحاولة إغراق الكيان في أزمة سياسية مستمرة وجرها لحملات انتخابية لا حصر لها لإجهاد ناخبي الطرف الآخر ودفعهم لليأس.

هذا التراجع من استراتيجية الهجوم والنصر إلى الدفاع والتحصين الشخصي يضع الكتلة في حالة نزيف برامجي مستمر يُفقدها المقاعد تدريجياً قبل بدء التصويت.

سادساً: رائحة الهزيمة الوشيكة وشعور الضعف العام:

تنبعث في "الفضاء السياسي الإسرائيلي "حالياً "رائحة هزيمة" حكومية محسوسة وواضحة لا يمكن تخطئتها؛ وتظهر بوضوح في أحاديث النشطاء، واستعدادات الوزراء وأعضاء "الكنيست" الذين استسلموا لفكرة خسارة السلطة، وصولاً إلى طبيعة القوانين الانتهازية الأخيرة التي تعتمد مبدأ "أخذ ما يُتاح".

هذا الشعور العام بالضعف والتفكك داخل الائتلاف يصنع في المقابل ديناميكية نفسية وسياسية إيجابية لدى الشارع، ويضمن توجيه كتلة الأصوات المترددة لصالح الطرف الآخر الساعي لتشكيل حكومة مستقرة، مما يفرض على قادة المعارضة التوقف عن طرح سيناريوهات الفشل، والتحرك بمهارة سياسية لاستثمار هذه الفرصة التاريخية التي باتت خسارتها تحتاج إلى "مهارة خاصة" لعكس المجريات.

المصدر: "معاريف"/ المحامية "صوفي رون موريا"