قراءة في تحولات "العقيدة الأمنية الإسرائيلية" بين حربين
ترجمة الهدهد
تآكلت قدرة المؤسسة العسكرية في "إسرائيل" على وضع حدود لجدوى استخدام القوة وكبح جماح الطموحات السياسية غير الواقعية، وهو ما تجلى بوضوح في المقارنة بين حرب لبنان الثانية عام 2006 والحرب على غزة؛ حيث انقادت القيادة العسكرية الحالية وراء شعارات النصر وتدمير القدرات دون امتلاك خطة سياسية واضحة، على عكس مواقف سابقة حاولت فيها القيادة كبح التهور السياسي.
وتُتيح الذكرى الـ 20 لحرب لبنان الثانية فرصةً سانحةً لعقد هذه المقارنة؛ ففي كلتا الحالتين، اتُخذ قرار الحرب على عجل، ولم تُدرس البدائل الاستراتيجية، ولم تُصاغ خطة خروج واضحة، بل اعتُمدت أهداف طموحة دون دراسة جدواها الحقيقية. ومع ذلك يبرز فرق جوهري يتمثل في الضعف الصارخ لقدرة الجيش على كبح جماح السياسيين في المواجهة الأخيرة مقارنة بالماضي.
وقد كشف تقرير "فينوغراد" سابقاً كيف حاول رئيس الأركان الأسبق "دان حالوتس" عبثاً تعديل موقف حكومة "إيهود أولمرت"؛ فحينما وضعت الحكومة هدفاً طموحاً يتمثل في تفكيك حزب الله، كانت أهداف الجيش واقعية وتقتصر على إضعاف المنظمة وردعها. وأوضح رئيس الأركان للوزراء حينها صراحةً: "لا نصر هنا، ولا ضربات قاضية"، بالرغم من انجرار الحكومة لاحقاً إلى حرب طويلة وعمليات برية متعثرة فرضتها السقوف العالية.
لكن هذا السيناريو العسكري الرصين لم يتكرر عقب أحداث أكتوبر 2023؛ إذ قررت حكومة "بنيامين نتنياهو" تدمير قدرات حركة حماس والتزمت بهذا الهدف طوال الحرب رغم انعدام خطة تحقيقه، ولم يواجه الجيش السياسيين بنفس العزيمة التي أظهرها "حالوتس"، بل عجز عن وضع هدف بديل وواقعي، مما دفع القيادات الميدانية للخروج عن قواعد اللعبة التقليدية لكبح جماح الحكومة؛ وهو ما أقدم عليه "إيال زمير" في صيف 2025 بعد فشله في إقناع الحكومة بالعدول عن التحرك السريع لفرض سيطرة حركة حماس على ما تبقى من غزة، حيث عمد إلى تعطيل القرار وأمر بتقدم بطيء انتهى بفرض وقف إطلاق النار.
ويعزى هذا التحول البنيوي جزئياً إلى الحقبة التي قاد فيها "أفيف كوخافي" هيئة الأركان العامة، حيث أسهم في تحييد الجيش ذاتياً عندما أعاد صياغة مفهوم استخدام القوة تحت شعار "حرمان العدو من القدرة القتالية حتى هزيمته".
وتجاوزت هذه العقيدة الجديدة الرؤية التقليدية التي دعت تاريخياً إلى تعزيز الردع لتحقيق هدوء طويل الأمد، ليصبح من الصعب التمييز بين شعار "كوخافي" وهدف "تدمير القدرات العسكرية والحكومية لحماس" الذي حددته الحكومة السياسية لاحقاً.
وبموجب هذه المقاربة، أزالت هيئة الأركان العامة في عهد "كوخافي" مصطلح "السياسي" من المفهوم العسكري، ووعَدت القيادة السياسية بتحقيق هزيمة مطلقة لحماس، مما حرر السياسيين من ضرورة اقتراح حلول أو تسويات سياسية مقابل منح الجيش موارد ضخمة لتعزيز قدراته. ويمثل هذا التكيف تراجعاً واضحاً عن إرث سلفه "غادي آيزنكوت" الذي كان يتحدى التوقعات السياسية غير الواقعية.
ونتيجة لهذا التخلي الطوعي عن فرض القيود، كان من المستحيل توقع أن تحيد هيئة الأركان العامة بقيادة "هرتسي هاليفي" عن العقيدة التي رسخها "كوخافي"، لا سيما في ظل صدمة 7 أكتوبر ووجود حكومة يمينية توعدت بسحق الأعداء. ورغم المحاولات المتأخرة للجيش لإصدار صوت رصين عبر المتحدث باسمه "دانيال هيغاري" الذي أعلن بعد ثمانية أشهر من الحرب أن "تدمير حماس ليس إلا تضليلاً للرأي العام" داعياً للاكتفاء بهدف منع الهجمات، إلا أن هذه التصريحات جاءت دون جدوى ولم تغير من المسار العام للحرب.
تظهر المقارنة التحليلية بين الحربين أن ميزان القوى بين الحكومة والجيش في "تل أبيب" لم يتغير فحسب، بل تآكلت تماماً قدرة المؤسسة العسكرية على كبح الاندفاع السياسي؛ وبسبب تبني الجيش لخطاب "النصر" الأجوف دون غاية سياسية واضحة، فقد القدرة المهنية على تقديم بدائل استراتيجية للأهداف السياسية الطموحة، ليفقد الكيان بذلك إحدى أهم آليات الضبط الداخلي لكبح استخدام القوة المفرطة غير المجدية.
المصدر: "هآرتس/ "ياجيل ليفي"