ترجمة الهدهد
المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "ناحوم برنيع"

تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الأمنية والسياسية في "إسرائيل" من أن تكون أحداث نهاية الأسبوع الدامية في الضفة الغربية هي الشرارة الأولى لاندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، في وقت تبدو فيه المؤسسة الأمنية عاجزة عن التنبؤ بالواقع كما حدث تاريخياً في انتفاضتي 1987 و2000.

إلا أن الانتفاضة المرتقبة ستكون مختلفة تماماً؛ إذ ستنطلق هذه المرة بمبادرة أيديولوجية واضحة ورؤية سياسية وعسكرية ممنهجة تتبناها حكومة "بنيامين نتنياهو" الحالية وتدفع نحوها علناً، لتدحض بذلك اتهامات المعارضة لها بالجمود الفكري أو انعدام المبادرة.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع تخبط سياسي "إسرائيلي" على جبهات متعددة، برزت في التباهي الوزاري باستدراج حزب الله في لبنان وتوجيه ضربات له، والتي أسفرت لاحقاً عن هجمات مسيرات مضادة أعادت الثقة للحزب وأدت لمقتل جنود وإثارة قلق سكان شمال الكيان، وصولاً إلى فرض أوامر تقييدية من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ونائبه "فانس".

وتعكس تصريحات "دونالد ترامب" الأخيرة ضغوطاً واضحة تُجبر "حكومة نتنياهو إما على التجاوب مع مطالب الرئيس اللبناني أو مواجهة تقارب أمريكي غير مسبوق مع حزب الله، مما يثبت أن القرارات الاستراتيجية الكبرى لم تعد بيد الجنود على الجبهات.

وفي المقابل، تفوق خطة الاحتيال التي تنفذها الحكومة في الضفة الغربية ما يحدث في لبنان؛ حيث تباينت الروايات الداخلية "الإسرائيلية" حول اشتباكات نهاية الأسبوع قرب "حفات جلعاد"، ما بين ادعاءات بوجود "نزهة مدنية بريئة"، أو "غارة غير منسقة للمستوطنين"، أو "اعتداء من عصابات خارجة عن القانون".

ورافق كل رواية مطلب عملي؛ حيث طالب "يوسي داغان" (رئيس مجلس المستوطنات) بعملية عسكرية واسعة لإنهاء السلطة الفلسطينية، ودعا وزير الجيش "يسرائيل كاتس" لتأسيس مزرعة استيطانية على كل تلة، بينما طالب "يائير غولان" من المعارضة بفرض الاعتقال الإداري على المشاغبين اليهود.

بيد أن الواقع يشير إلى رواية رابعة تتلخص في أن هؤلاء المستوطنين ليسوا خارجين عن القانون، بل هم "جيش الخلاص" والمبعوثون الرسميون للحكومة التي توفر لهم التمويل، والحماية القضائية، وتبعد عنهم ملاحقات الجيش وجهاز الأمن العام "الشاباك".

وتستهدف هذه الخطة المعقدة التي يقودها علناً "بتسلئيل سموتريتش" (وزير الضفة الغربية في حكومة نتنياهو) تحويل البؤر العشوائية لمزارع قانونية بقرارات حكومية، وإجبار المزارعين الفلسطينيين بمساعدة الجيش على خسارة أرزاقهم والفرار نحو المدن تمهيداً لتهجير جماعي شامل نحو الشرق، مدفوعين بنبوءات يهودية حول معركة "هرمجدون".

وأمام هذا التحول التاريخي، تتجاهل القيادة الوسطى للجيش الأبعاد السياسية متسترة خلف توصيف الأحداث كـ "حوادث معزولة"، رغم أن الجيش لن يُعفى من مسؤولية إراقة الدماء في حال تصاعدت الأوضاع لانتفاضة ثالثة.

ويقف القائد "آفي بالوت" -الذي يتقاعد نهاية العام الحالي- أمام اختبار حاسم لفرض سيادته العسكرية وتأمين جميع السكان تنفيذاً للقانون الدولي والمحلي، وهو الواجب القانوني والقيادي الذي يجب أن يعلو فوق إملاءات وأوامر الوزراء المتطرفين أو أحلام الحاخامات.