"إسرائيل" تخشى تآكل قوتها
شبكة الهدهد
كشف مؤتمر "الأمن القومي الإسرائيلي"، الذي نظمه معهد دراسات الأمن القومي بالتعاون مع مجموعة "يديعوت أحرونوت"، عن مخاوف كبيرة بكيان العدو، تجسدت في طرح عناوين كبيرة في هذا المؤتمر خلاصتها أن "إسرائيل" تخشى تآكل قوتها، برغم أن كيان العدو يمتلك قوة عسكرية كبيرة، لكن قيادته تشك في قدرتهم على تحويل هذه القوة إلى أمن طويل الأمد.
وجَمَعَت جلسات المؤتمر رؤساء أركان وقادة أجهزة أمن العدو واستخباراته السابقين، وباحثين في الملفين الإيراني والفلسطيني، ورؤساء جامعات وسلطات محلية، إلى جانب قادة "الأحزاب الإسرائيلية". ورغم اختلاف رؤاهم، تكررت في كلماتهم أربع تحذيرات رئيسية: الفشل في ترجمة الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية، وتآكل الدعم الأميركي، واتساع الانقسام الداخلي، واستمرار حماس وإيران وحزب الله في إعادة بناء قدراتهم.
وبدت العناوين المختارة للجلسات، مثل: "خريطة التهديدات"، و"القيادة تحت الاختبار"، و"خطر فقدان الدعم الأميركي"، و"هجرة العقول"، تعبيراً عن انتقال القلق الإسرائيلي من حدود الدولة إلى داخلها، ومن عدد الصواريخ والطائرات إلى قدرة المجتمع والنظام السياسي على الصمود.
خريطة مترابطة
افتتح المؤتمر بعرض حمل عنوان "كيف يتم بناء خريطة التهديدات الإسرائيلية؟"، استند إلى بحث أجراه معهد دراسات الأمن القومي، وشمل نحو "ألف إسرائيلي" و150 خبيراً، طُلب منهم تقييم 14 سيناريو وفق خطورتها، واحتمالية تحققها، وحجم الضرر المتوقع منها.
أظهر البحث أن السؤال لم يعد: ما أكبر تهديد يواجه "إسرائيل"؟ بل ماذا يحدث إذا تزامنت مجموعة من التهديدات وغذى بعضها بعضاً؟ وبرزت في هذا السياق: إيران النووية، والهجوم الصاروخي الواسع على الجبهة الداخلية، وتقويض الطابع الديمقراطي، وتراجع الدعم الأميركي.
وقد صنف 39% من الجمهور إيران النووية ضمن التهديدات الثلاثة الكبرى، ورأى 67% أن تحققها سيلحق ضرراً جسيماً بـ "إسرائيل"، لكن نسبة من اعتبروا تراجع الدعم الأميركي سيناريو محتملاً تضاعفت خلال أشهر من 13% إلى 26%، بينما اعتقد ثلثا المشاركين أن ضرره سيكون شديداً. أما المساس بالديمقراطية، فقد توقع 68% أن تكون تداعياته جسيمة، ورأى 76% أن إسرائيل لن تمتلك وقتاً طويلاً لمعالجته.
وفي جلسة "دراسة التهديدات الإسرائيلية"، شرح العميد احتياط "يوفال أيالون"، رئيس فريق البحث والباحث في معهد دراسات الأمن القومي، أن الدراسة جمعت بين تقديرات الجمهور والخبراء والدبلوماسيين وقادة الرأي، بهدف اكتشاف ما قد تغفله المؤسسة الأمنية التقليدية.
وقال "أيالون" إن الأخطار الخارجية، وفي مقدمتها إيران والصواريخ والحرب متعددة الجبهات، لا تنفصل عن التهديدات الداخلية التي تشمل الانقسام، وتآكل الديمقراطية، وضعف الثقة بالمؤسسات. وخلص إلى أن "إسرائيل" تواجه "شبكة تهديدات"، قد يؤدي تحقق أحدها إلى تسريع بقية الأخطار، في تأثير تتابعي يشبه أحجار الدومينو.
فشل إستراتيجي
حملت مقابلة العميد احتياط "درور شالوم" عنوان "ما وراء خريطة التهديدات.. من المخاطر إلى الفرص"، وشغل شالوم سابقاً رئاسة الدائرة الأمنية والسياسية في وزارة جيش العدو، ويعمل مستشاراً في مؤسسة "جي بي مورغان" العالمية، بعد سنوات من العمل في الاستخبارات والتخطيط الأمني.
قدم "شالوم" واحداً من أكثر تقييمات المؤتمر حدة، قائلاً إن "إسرائيل" حققت إنجازات استثنائية من الناحية العملياتية، لكن النتيجة الإستراتيجية تمثل فشلاً ذريعاً"، فحماس لم تختفِ، وحزب الله لم يُنزع سلاحه، وإيران ما زالت تدير برنامجها النووي وتفاوض الولايات المتحدة، بينما وصلت مكانة "إسرائيل" الدولية إلى مستوى متدنٍ.
ورأى أن المشكلة لا تكمن في أن أيدي "إسرائيل" مقيدة، بل في «حدود التفكير الإستراتيجي» وضعف المستوى السياسي. ودعا إلى استثمار الإنجازات العسكرية في تحالفات جديدة، وترميم العلاقات مع مصر والأردن، وتعميق التعاون مع دول اتفاقيات أبراهام وأوروبا واليابان وأذربيجان واليونان.
كما رفض حصر الأمن القومي في الجيش، مؤكداً أن إسرائيل لن تحافظ على تفوقها من دون التعليم والجامعات والمهندسين. وقال إن عدم الاستثمار في «عباقرة الجيل القادم» سيمنع تحقيق القفزة النوعية المطلوبة في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
أميركا أولاً
خصص المؤتمر جلستين للعلاقة مع واشنطن؛ الأولى حملت عنوان "خطر فقدان الدعم الأميركي في اليوم التالي لترامب"، واستضافت اللواء احتياط تامر هيمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، والرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي، وأدارها الصحفي والمحلل في يديعوت أحرونوت "نداف إيال".
قال هيمان إن «الخطر الإستراتيجي الرئيسي» الذي يهدد "إسرائيل" ليس إيران، بل تآكل الدعم الشعبي والسياسي داخل الولايات المتحدة. وشبّه المساندة الأميركية بشبكة أمان تحت لاعب يسير على حبل مرتفع، محذراً من أن هذه الشبكة آخذة في الاختفاء.
وأوضح أن "إسرائيل" اعتمدت لعقود على دعم الحزبين، لكن الأجيال الأميركية الشابة، بما فيها قطاعات من الجمهوريين، باتت أقل تعاطفاً معها. والخطر، في رأيه، أن تتحول هذه الاتجاهات من استطلاعات رأي إلى سياسات داخل الكونغرس والبيت الأبيض.
وتناول هيمان أيضاً المواجهة مع إيران، محذراً من الاعتقاد بأن زيادة الألم العسكري ستجبر طهران تلقائياً على الخضوع. وقال: «كلما زاد الألم، زادت العزيمة والرغبة في المخاطرة»، وربما تقوي الحرب المستمرة النظام الإيراني بمنحه مبرراً داخلياً للقمع والتعبئة. ورأى أن انتهاء الجولة دون تسوية أو تغيير حقيقي قد يجعلها «فشلاً إستراتيجياً» رغم شدة الضربات.
أما الجلسة الثانية، التي جاءت بعنوان "دعم بديل لإسرائيل.. ماذا يحدث عندما يرحل الأب؟"، فقد استضافت العميد احتياط "عساف أوريون"، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي ومعهد واشنطن، والرئيس السابق للشعبة الإستراتيجية في قسم التخطيط بهيئة الأركان، وأدارها المعلق العسكري "رون بن يشاي."
ميّز "أوريون" بين الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة والوضع الحالي، قائلاً إن العلاقة انتقلت من اعتماد مؤسسي واسع إلى اعتماد شخصي على الرئيس ترامب، وهذا يجعل "إسرائيل" أكثر عُرضة لتقلبات شخص واحد، فيما يتراجع التأييد داخل المؤسسات والمجتمع الأميركي.
وأشار إلى أن الحرب الطويلة لم تكن ممكنة من دون مخازن الذخيرة الأميركية، مضيفاً أن الأسلحة المستخدمة صُنعت وشُحنت من الولايات المتحدة. وبإمكان "إسرائيل" زيادة الإنتاج المحلي، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن واشنطن في مجالات السلاح، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والغطاء الدبلوماسي.
ورفض "أوريون" البحث عن قوة عظمى بديلة، إذ لا تستطيع الصين أو الهند أو روسيا أو أوروبا تعويض التحالف الأميركي. لكنه دعا إلى إعادة بناء العلاقات الأوروبية، مؤكداً أن أوروبا ما زالت الشريك التجاري والعلمي والثقافي الرئيسي، وأن الخطاب الإسرائيلي الذي يتعامل معها بوصفها قارة ضائعة هو «ترف لا تستطيع إسرائيل تحمله».
التهديد النووي الإيراني باقٍ
جمعت جلسة "التهديد النووي الإيراني.. بين الواقع المنظم واستمرار تطبيق القانون" ثلاثة من أبرز الخبراء الإسرائيليين في الشأن الإيراني؛ حيث شاركت فيها سيما شين، الرئيسة السابقة لقسم الأبحاث في الموساد، و"داني سيترينوفيتش"، الرئيس السابق لفرع إيران في الاستخبارات العسكرية، و"أفنر فيلان"، الضابط السابق والخبير في الملف النووي، وأدار النقاش "عساف أوريون".
قال "فيلان" إن الضربات ألحقت أضراراً بمنشآت نطنز وفوردو وبأجزاء من مجموعة التسليح، لكنها لم تقضِ على المشروع. ووفق تقديره، بقي لدى إيران ما بين 440 و450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إضافة إلى نحو 300 كيلوغرام مخصب بنسبة 20%، وأطنان بدرجات أقل.
كما احتفظت إيران بأجهزة طرد مركزي لم تُستهدف، وبالمعرفة البشرية التي راكمها آلاف العاملين في البرنامج. وحذر من منشأة جديدة تقع على عمق يتجاوز 100 متر، بما يجعلها أكثر تحصيناً من فوردو، وربما تكون خارج قدرة القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات.
من جانبه، قالت "شين" إن الخطاب الإيراني تغير بعد الحرب، إذ أصبحت الدعوات إلى امتلاك السلاح النووي أكثر هيمنة بين شخصيات نافذة وأعضاء في البرلمان. وأضافت أن إيران إذا نقلت 100 أو 150 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى موقع سري يحتوي على أجهزة متطورة، فقد تتمكن تقنياً من رفع التخصيب خلال أسابيع قليلة فقط.
أما "سيترينوفيتش" فرأى أن إسرائيل لم تهاجم في «اللحظة الأخيرة» قبل إنتاج قنبلة إيرانية جاهزة، وأن الادعاء بوجود سلاح موجه فوراً نحو "تل أبيب" لا يطابق المعلومات المتاحة. وحذر من أن الضربات، رغم تأخيرها للبرنامج، ربما رفعت الدافع الإيراني لعبور العتبة النووية، بعدما استنتجت القيادة الجديدة أن السلاح قد يكون الضمان الوحيد لمنع هجمات مستقبلية.
صراع بلا حل
ناقشت جلسة "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. إن لم يكن إدارة الصراع، فما هو إذن؟" مستقبل غزة والضفة الغربية. وضمت الجلسة كلاً من: نعومي نيومان، الرئيسة السابقة لوحدة البحث وتصميم السياسات في الشاباك والباحثة في معهد واشنطن، والدكتورة "أنات روث"، مديرة منتدى شيلو والباحثة في الاستيطان، والعميد احتياط "عودي ديكل"، رئيس برنامج تحويل الصراع إلى اتفاقات في معهد دراسات الأمن القومي، والذي ترأس مديرية المفاوضات في عهد "إيهود أولمرت".
وصفت "نيومان "النظام السياسي الفلسطيني بأنه يمر بإحدى أسوأ مراحله، في ظل الانقسام بين غزة والضفة، والشلل السياسي، وغياب القيادة الجديدة والأفق السياسي. وقالت إن "إسرائيل" تسيطر على معظم مساحة غزة، بينما تتركز حماس والسكان في الجزء المتبقي، ومع ذلك ما زالت الحركة تدير الحياة المدنية وتجمع الضرائب.
وأوضحت أن ضعف حماس العسكري لم يتحول إلى انهيار سياسي، لأنها ما زالت قادرة على تنظيم حد أدنى من الحياة، في غياب بديل فلسطيني أو عربي جاهز.
في المقابل، حذر "ديكل" من مشروع ضم الضفة الغربية، قائلاً إن "إسرائيل"، بضم الأرض، «تضع الوحش في بطنها»، لأنها ستضم ملايين الفلسطينيين إلى كيان واحد. وستكون النتيجة، وفق تقديره، إما فوضى وعنف دائم، أو نظام قمع، أو عقوبات وعزلة دولية، مع انتهاء إمكانية بقاء "إسرائيل" كـ "دولة" يهودية وديمقراطية.
الضفة تنفجر
ظهر الخلاف حول الضفة الغربية بقوة في مقابلات "القيادة تحت الاختبار".
فقد قال "غادي آيزنكوت"، رئيس أركان جيش العدو السابق ورئيس حزب "ياشار"، إن الواقع في الضفة الغربية «فوضوي وعلى حافة الانفجار». وحمّل "نتنياهو" مسؤولية تفكيك وحدة القيادة التي كان الجيش يمارس من خلالها السيطرة، عبر منح "سموتريتش" صلاحيات في الإدارة المدنية، و"بن غفير" نفوذاً على الشرطة. وقال إن النتيجة هي صعوبة إحباط الهجمات، وفشل فرض القانون على المستوطنين والفلسطينيين معاً.
وحذر "آيزنكوت" من سيناريو تفقد فيه المؤسسة الأمنية السيطرة، فتندلع مواجهات واسعة تجبر الجيش على سحب قوات من غزة ولبنان إلى الضفة. كما طالب بإعادة الإدارة إلى منظومة موحدة يقودها الجيش والشاباك، والفصل بين منفذي الهجمات والسكان.
وعلى الطرف المقابل، قدم وزير مالية العدو "بتسلئيل سموتريتش"، زعيم حزب الصهيونية الدينية والوزير المسؤول عن ملفات مدنية في وزارة الجيش، رؤيته في جلسة بالعنوان نفسه.
رفض "سموتريتش" الاتهامات المتعلقة بعنف المستوطنين، ووصفها بأنها حملة دولية معادية لأ "إسرائيل"، وقال إن ما يزعج منتقديه هو «الثورة» التي يقودها في الضفة الغربية. وعدد عناصرها: إنشاء مستوطنات، وشق الطرق، وتوسيع البنية التحتية، والتخطيط لإسكان مليون مستوطن.
وأكد أن هدفه هو إغلاق الطريق أمام الدولة الفلسطينية، وأنه يمهد لـ«السيادة الكاملة» عبر تغيير طريقة إدارة المنطقة. واعتبر الاستيطان حزاماً أمنياً يمنع تكرار هجوم 7 أكتوبر في مدن وسط "إسرائيل".
غزة والاستيطان
وفي جلسة "القيادة تحت الاختبار" الخاصة بوزير الأمن القومي المتطرف "إيتمار بن غفير"، أعلن رئيس حزب "القوة اليهودية" أنه كان الوحيد الذي صوت في المجلس الوزاري ضد تشكيل «مجلس السلام» لإدارة غزة.
وقال: «لا سلام ولا مجلس»، مطالباً بمواصلة الحرب حتى سحق حماس. وأقر بأن الحركة لم تُهزم أو تُستأصل، رغم سيطرة الجيش على معظم مساحة القطاع ومقتل عشرات الآلاف من عناصرها وفق "الرواية الإسرائيلية".
ولم يكتفِ "بن غفير" بالدعوة إلى استمرار الاحتلال العسكري، بل عرض تصوره لما بعد الحرب، قائلاً إنه يرى في غزة أحياء للشرطة والجنود والضباط، ثم أحياء للمدنيين و"مستوطنات إسرائيلية". وربط القضاء على حماس بالبقاء داخل القطاع وتشجيع هجرة الفلسطينيين.
وتناول أيضاً علاقته بالشرطة والمستشارة القانونية، رافضاً الاتهامات بأنه تجاوز حدود منصبه وتدخل في عمل الأجهزة، ومعتبراً الدعوات إلى عزله محاولة لإعادة أوضاع السجون والشرطة إلى ما قبل توليه الوزارة.
بديل سياسي
قدم "يائير غولان"، نائب رئيس أركان جيش العدو السابق ورئيس حزب "الديمقراطيين"، رؤية مضادة في جلسة "القيادة على المحك"؛ حيث رأى أن الإنجازات العسكرية لا تمنح أمناً مستداماً من دون مبادرة سياسية في غزة ولبنان وإيران.
وقال إنه لا يمكن هزيمة حماس ما دامت تحكم السكان، وإن المطلوب هو إنشاء كيان فلسطيني معتدل في غزة بدعم عربي ودولي. واتهم "نتنياهو" بالمماطلة ومنع دخول البديل، مضيفاً أن كل يوم يمر يسمح لحماس بجمع الضرائب وإعادة بناء القوات وحفر الأنفاق.
وفي لبنان، دعا "غولان" إلى قوة دولية جديدة لا تشبه "اليونيفيل"، وتتمتع بصلاحيات فعلية لإنفاذ نزع السلاح جنوب البلاد. أما إيران، فطالب باتفاق نووي أكثر صرامة وأطول مدة، يشمل الرقابة على التخصيب، وتكنولوجيا الصواريخ، والتدخل الإيراني الإقليمي.
حرب مستمرة
عرض رئيس وزراء العدو السابق "نفتالي بينيت" في جلسة "اختبار القيادة" عقيدته التي يسميها «مبدأ الأخطبوط». ويرى "بينيت" أن معظم التهديدات، من حزب الله وحماس إلى اليمن، ليست سوى أذرع لرأس موجود في طهران، ولذلك يجب تركيز الموارد على إضعاف النظام الإيراني وتسريع سقوطه ومنعه من امتلاك سلاح نووي.
لكن "بينيت" أوضح أن إسقاط النظام لا يقتصر على الحرب والقصف، بل يشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والحرب الإلكترونية ودعم خصوم إيران، مستعيداً نموذج الضغط الأميركي على الاتحاد السوفياتي.
وانتقد ما وصفه بسلبية نتنياهو، قائلاً إن إسرائيل يجب أن تنتقل من انتظار التهديدات إلى تشكيل المنطقة، عبر علاقات مباشرة مع مصر والإمارات والأردن وتحركات سياسية متزامنة مع القوة العسكرية. كما اتهم الحكومة بتبني إستراتيجية تطيل الحروب بدلاً من حسمها في فترات قصيرة.
أما "أفيغدور ليبرمان"، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الدفاع والخارجية والمالية السابق، فقال في جلسة "القيادة تحت الاختبار" إنه حذر نتنياهو والجيش منذ عام 2016 من سيناريو اقتحام حماس للمستوطنات و"أسر إسرائيليين".
وزعم أن ضربة استباقية واغتيال قيادة حماس كانا سيمنعان هجوم أكتوبر، لكن "نتنياهو" رفض وواصل السماح بنقل الأموال القطرية. وفي الملف الإيراني، رفض سياسة الجولات، قائلاً إن حرباً تمتد سنوات تدمر المجتمع والاقتصاد، وإن المواجهة المقبلة ينبغي أن تكون «نهاية القصة»، وهو ما يعني، في رؤيته، إسقاط النظام الإيراني.
وحدة متعثرة
ركز "بيني غانتس"، رئيس أركان جيش العدو ووزير الجيش السابق ورئيس تحالف "أزرق أبيض"، في جلسة "القيادة تحت الاختبار" على الفارق بين تضرر الأعداء وبين تحسن وضع إسرائيل.
وقال إن الإنجازات ضد حماس وحزب الله وإيران تبدو كـ«صورة ثابتة»، بينما الواقع «شريط فيديو» يتغير باستمرار. فخصوم إسرائيل قادرون على التعافي، فيما يعاني الجيش نقص الجنود وإرهاق الاحتياط وتراجع الاقتصاد والقاعدة الصناعية.
ورأى أن "إسرائيل" تحتاج إلى حكومة وحدة صهيونية تتجاوز الكتل، وتضع الأولويات الوطنية فوق المصالح القطاعية. وقال إن استمرار الانقسام يهدد وجود الدولة، لأنها تعرضت لهجوم أكتوبر في وقت كانت فيه ضعيفة داخلياً. ودعا إلى إدارة الصراع مع إيران على المدى الطويل بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول المنطقة، عسكرياً وسياسياً.
فلسطينيي 48 والأمن
خصص المؤتمر جلسة من "القيادة تحت الاختبار" لمنصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، الذي ركز على العلاقات العربية اليهودية والجريمة بين فلسطينيي الداخل المحتل.
قال عباس إن نسيج العلاقات بين اليهود والعرب أثبت متانة أكبر مما كان متوقعاً بعد هجوم أكتوبر والحرب، مشيراً إلى استمرار العمل المشترك في المستشفيات والجامعات ومختلف القطاعات، وعدم تحول التوتر إلى مواجهة أهلية واسعة.
لكنه طالب باعتبار الأمن الشخصي للعرب جزءاً من الأمن القومي الإسرائيلي. وقال إن الدولة تنازلت فعلياً عن سيادتها لصالح المنظمات الإجرامية التي تفرض الإتاوات وتحتكر القوة في البلدات العربية، حتى أصبحت «دولة داخل الدولة».
وربط عباس بين الديمقراطية وإنهاء الاحتلال، لكنه رفض انتظار حل القضية الفلسطينية قبل المطالبة بالمساواة والاندماج. وطرح نموذجاً يقوم على توسيع الشراكة المدنية والسياسية داخل إسرائيل، باعتباره جسراً يمكن أن ينعكس مستقبلاً على العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.
عقول تغادر
ناقشت جلسة "خطر هجرة العقول.. هل تتآكل الميزة النوعية؟" جانباً غير عسكري من الأزمة. وشارك فيها البروفيسور "تامير شيفر" رئيس الجامعة العبرية، والبروفيسور أرييه تسابان رئيس جامعة "بار إيلان"، والعميد احتياط رام أمينوح المستشار المالي السابق لرئيس الأركان ورئيس قسم الميزانية في وزارة الجيش.
كشفت الجلسة أن 16% من "الإسرائيليين" الحاصلين على الدكتوراه يعيشون خارج الكيان، وترتفع النسبة إلى أكثر من ربع حملة الدكتوراه في الرياضيات، و22% في علوم الحاسوب، و17% في الفيزياء. كما يعيش في الخارج نحو 23% من خريجي معهد وايزمان الحاصلين على الدكتوراه و18% من خريجي التخنيون.
وصف شيفر الأكاديميا بأنها «رصيد إستراتيجي من الدرجة الأولى» يرتبط بالأمن والصحة والاقتصاد، محذراً من أن التميز الإسرائيلي بات في خطر بسبب نقص الموارد، والمقاطعة الخارجية، والهجوم السياسي الداخلي على الجامعات.
وأكد المشاركون أن القبة الحديدية والتقنيات الطبية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية خرجت جميعها من منظومة البحث العلمي. وقدّروا تكلفة استعادة الباحث الإسرائيلي الواحد من الخارج بما يتراوح بين مليون ومليوني دولار لتوفير المختبر والبنية العلمية المناسبة له.
وكان التحذير الأبرز أن هدم المنظومة قد تظهر آثاره خلال سنتين أو ثلاث، في حين تحتاج إعادة بنائها إلى عشر سنوات، بما يعني أن الأزمة الحالية قد تضرب التفوق العسكري والتكنولوجي بعد سنوات من اتخاذ القرارات التي أدت إليها.
شمال خائف
جاءت جلسة "تحدي الحصانة الوطنية.. هل لبينا توقعات سكان الجبهة الشمالية؟" لتختبر الفارق بين السيطرة العسكرية والشعور بالأمن.
شارك فيها "موشيه دافيدوفيتش"، رئيس مجلس ماتي آشر ومنتدى بلدات خط المواجهة، والدكتورة "إيديت شفران غيتلمان"، الباحثة في العلاقات بين الجيش والمجتمع بمعهد دراسات الأمن القومي، و"ليئات كوهين"، المسؤولة عن التخطيط في مديرية إعادة إعمار الشمال.
قال "دافيدوفيتش" إن استطلاعاً في إحدى البلدات الحدودية أظهر أن أكبر مخاوف السكان ما زال خطر التسلل، رغم انتشار الجيش داخل الأراضي اللبنانية. واعتبر أن وجود القوات لم يضمن للسكان منع تكرار هجوم شبيه بما جرى في غلاف غزة.
أما "غيتلمان" فقالت إن الحظ، لا الاستعداد العسكري أو الاستخباراتي الأفضل، هو الذي فصل سكان الشمال عن مصير سكان الجنوب في السابع من أكتوبر. وأوضحت أن السكان يعيشون أزمة ثقة مزدوجة: الأولى بسبب فشل أكتوبر، والثانية بسبب وعود لاحقة بأن حزب الله أُبعد وأن الشمال أصبح آمناً، قبل أن يتبين أن التهديد ما زال قائماً.
ورأى المشاركون أن إعادة السكان لا تتطلب الأمن وحده، بل التعليم والصحة وفرص العمل والبنية التحتية. ورغم إعلان خطة بقيمة 13 مليار شيكل، اشتكى ممثلو السلطات المحلية من بطء التنفيذ، وقال "دافيدوفيتش" إن المطلوب هو «تقليل الكلام وزيادة العمل».
تقييم نهائي
اختتم "تامر هيمان" المؤتمر بجلسة "تقييم الوضع"، محاولاً جمع التناقضات التي ظهرت خلال اليوم؛ حيث قال إن الوضع لا يمكن وصفه بالإيجابي أو السلبي فقط، لأنه نظام متحرك يحمل فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه.
فـ "إسرائيل" تسيطر على مساحة واسعة من غزة، لكن حماس تتعافى. وتعرض حزب الله لضربات، لكنه لم يُنزع سلاحه. وتأخر المشروع النووي الإيراني، لكن إيران احتفظت بالمواد والمعرفة والدافع. وحقق الجيش إنجازات، لكن المجتمع يعاني الانقسام، والجامعات تفقد العقول، والعلاقة مع واشنطن تتآكل.
ورأى هيمان أن إسرائيل تملك موارد عسكرية وسياسية مهمة، لكن ينقصها الاتجاه والرؤية والمبادرة. وحذر من الشعبوية التي تجعل القادة يتجنبون القرارات الضرورية لمجرد أنها لا تحظى بتأييد فوري.
وخلص إلى أن العلاقة مع الولايات المتحدة هي نقطة الارتكاز التي تتصل بجميع التهديدات: فمن دونها يصعب التعامل مع نووي إيران، أو إدارة الصراع الفلسطيني، أو مواجهة العزلة الدولية، أو الحفاظ على التفوق التكنولوجي.
وبذلك لم يقدم المؤتمر صورة دولة هُزمت عسكرياً، بل دولة تخشى أن تتآكل عناصر قوتها قبل أن ينجح خصومها في تدميرها؛ فالمشكلة التي تكررت في معظم الجلسات لم تكن نقص القنابل والطائرات، وإنما غياب القدرة على تحديد ما الذي تريد إسرائيل تحقيقه بعد استخدامها لهذه القوة.