ترجمة الهدهد

حسم الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" استراتيجيته تجاه إيران للأشهر المقبلة بتبني خيار التهدئة المؤقتة وتجنب التصعيد العسكري الشامل، رغم تصريحاته الأخيرة بأن الولايات المتحدة "ستكسر ظهر الإيرانيين" ورغم الهجمات المكثفة التي شنتها القوات الأمريكية مساء أمس.

ويرى محللون أن "ترامب" يسعى لتفادي أي صراع واسع النطاق قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقررة في نوفمبر المقبل، وذلك منعاً لحدوث أزمة طاقة عالمية قد ترفع أسعار البنزين في أمريكا إلى أكثر من 4 دولارات للجالون، ولأن الحروب تفقد جاذبيتها السياسية لدى الناخبين في هذه الفترة، فضلاً عن رغبة البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" في استغلال الأشهر الثلاثة القادمة لإنتاج الأسلحة والصواريخ الاعتراضية استعداداً لأي جولة قتال مستقبلية محتملة.

وتستند هذه الرؤية الأمريكية إلى قناعة إدارة واشنطن بفشل الجهود الدبلوماسية مع النظام الإيراني، خاصة في ملفي منع امتلاك السلاح النووي وفتح مضيق هرمز، مما يعزز فرضية حدوث صدام عسكري كبير لاحقاً ستكون "إسرائيل" طرفاً رئيسياً فيه.

وفي غضون ذلك، يفضل "ترامب" التريث لكون تفويض الكونغرس الممنوح له في أبريل الماضي يقتصر على العمليات العسكرية المحدودة لمدة 60 يوماً وليس إعلان الحرب؛ حيث تشير تقييمات الاستخبارات الأمريكية إلى أن الحصار البحري والاقتصادي الحالي يمثل أداة بالغة الفعالية مقارنة بالقصف الجوي الذي استنفد قدرته على الضغط، مستدلة على ذلك بعجز الجيش الإيراني و"الحرس الثوري" عن دفع رواتب عناصرهم لعدة أشهر، وتراجع قيمة الريال، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية والإضرابات داخل إيران بسبب تدهور المعيشة وتسارع وتيرة الإعدامات.

وفي المقابل، تدرك طهران هذا التكتيك الأمريكي وتحاول جاهدة جر واشنطن إلى مواجهة أوسع لإيقاع خسائر بشرية في صفوف جنودها ورفع أسعار الوقود لإجبار "ترامب" على التفاوض بشروطها، وذلك عبر تفعيل حلفائها كـ"الحوثيين" في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق، إلى جانب دفع حزب الله لإشعال الجبهة اللبنانية، وهو ما فسرته أوساط أمنية "إسرائيلية" إثر استهداف آلية هندسية تابعة لجيش العدو بطائرة مسيرة متفجرة مؤخراً.

وجاءت هذه التطورات الاستراتيجية لتحدد ملامح اللقاء الأخير الذي جمع "ترامب" برئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" في واشنطن؛ حيث هدف الرئيس الأمريكي من الاجتماع إلى قطع الطريق أمام أي اتهامات بالخضوع لإملاءات "نتنياهو"، لا سيما بعد الغضب الأمريكي المعلن جراء تسريب الأخير بيانات لصحيفة "وول ستريت جورنال" حول إدخال آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى منشأة "جبل المنجل" النووية، مما أظهر "ترامب" بمظهر الضعيف أمام الجناح الصارم في حزبه الجمهوري بعد أن كان قد أعلن سابقاً تدمير المنشآت الإيرانية.

ورغم الأجواء المشحونة، وافق "ترامب" على لقاء "نتنياهو" لترتيب الخطوط العريضة لسببين إضافيين: أولهما تمرير "نتنياهو" قراراً في مجلس وزراءه يتبنى خطة النقاط الـ 20 لـ "مجلس السلام" في قطاع غزة والتي تسمح بدخول قوة استقرار دولية، وثانيهما حاجة "ترامب" لـ"نتنياهو" كرئيس وزراء مؤقت لإدارة الحملة ضد إيران في حال تزامنت المواجهة مع فترة تشكيل "الحكومة الإسرائيلية" الجديدة بعد الانتخابات.

وقد اتسم الاجتماع بطابعه الموسع وغياب المحادثات الثنائية المغلقة لضمان عدم الادعاء بالاتفاق على تفاصيل سرية، ليخرج منها "نتنياهو" بنجاح سياسي تمثل في صورة مشتركة تدعم حملته الانتخابية وتنفي وجود جفاء مع البيت الأبيض، إلى جانب انتزاعه تعهداً استراتيجياً من "ترامب" بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي وإجبارها على تسليم المواد المخصبة للولايات المتحدة بعد انتخابات الكونغرس، مما يمنح المؤسسة الأمنية للعدو وقتاً كافياً لجمع المعلومات والاستعداد للمواجهة الحاسمة.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "رون بن يشاي"