كواليس هذه الصفقة الضخمة، ولماذا سارع رئيس الوزراء بالسفر إلى واشنطن؟
شبكة الهدهد
الدكتورة أنات هوشبرغ-ماروم - معاريف
يُعدّ الاتفاق النووي المدني المُوقّع بين الولايات المتحدة والسعودية حدثاً تاريخياً هاماً في الشرق الأوسط، وهو ما يُثير قلقاً بالغاً لدى إسرائيل. ووفقاً للتقارير، فإنّ الاتفاق، المُخطط له لمدة 30 عاماً، سيُتيح للرياض بناء محطات طاقة نووية، بل وتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
على الرغم من تأكيدات مسؤولي إدارة ترامب بأن عمليات التفتيش الأمريكية ستمنع التسريب لأغراض عسكرية، فإن الاتفاق لا يلزم المملكة العربية السعودية بتبني "البروتوكول الإضافي" للوكالة الدولية للطاقة الذرية - آلية التفتيش الصارمة التي كانت جزءًا من الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، والتي اعتمدتها الإمارات العربية المتحدة كجزء من اتفاقها النووي مع واشنطن في عام 2009.
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية تقدم هذه الخطوة كجزء من "رؤية 2030" لتنويع الاقتصاد وتوسيع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط، إلا أن إسرائيل تعتبرها خطوة ذات آثار استراتيجية وأمنية خطيرة وبعيدة المدى.
في بيان صادر عن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ، جاء فيه أن الاتفاقية "تعكس التزام البلدين المشترك بتعزيز العلاقات التجارية"، وأنها تهدف إلى "تعزيز أمن الولايات المتحدة والمنطقة بأسرها من خلال الالتزام بمعايير السلامة النووية ومنع انتشار الأسلحة النووية".
مع ذلك، ومن منظور استراتيجي أوسع، تُغيّر الاتفاقية ميزان الردع الإقليمي وتتطرق إلى قضايا جوهرية: تآكل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والشرعية الخطيرة لتخصيب اليورانيوم للأغراض المدنية، وتسارع سباق التسلح.
لا يكمن القلق الرئيسي في إسرائيل في البرنامج المدني بحد ذاته، بل في السابقة التي يُرسيها. فموافقة الولايات المتحدة على تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية - رغم نفي ترامب وتصريحه بأن هذه الخطوة مشروطة بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام - تُضعف معايير الرقابة الدولية في وقت تُبذل فيه جهود لكبح البرنامج النووي الإيراني. والرسالة الضمنية هي أن تخصيب اليورانيوم أداة مدنية مشروعة، ما قد يدفع دولًا أخرى في المنطقة، ولا سيما تركيا ومصر، إلى المطالبة بقدرات مستقلة مماثلة.
مفارقة ترامب
من وجهة نظر إدارة ترامب، فإن "اتفاقية 123" - التي تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات - تهدف إلى تطوير البنية التحتية للطاقة ومحركات النمو في المملكة العربية السعودية تحت رعاية أمريكية، والحد من توغل الصين وروسيا في الخليج، وتوطيد الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض.
لكن من المفارقات أن صفقة تُقدَّم على أنها خطوة تجارية تهدف إلى استقرار قطاع أمن الطاقة والحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة الإقليمية، قد تسمح للسعودية بتطوير قدرات ذات إمكانات عسكرية كبيرة، لا سيما تخصيب اليورانيوم ومعالجة النفايات النووية (فصل البلوتونيوم)، وهما مساران تقليديان لإنتاج الأسلحة. ويأتي هذا في الوقت الذي تشن فيه الإدارة الأمريكية مواجهة شرسة مع إيران تحديدًا لمنعها من تطوير هذه القدرات نفسها.
قد لا تفسر طهران الاتفاق كآلية ردع، بل كتعزيز للقدرات النووية الاستراتيجية لدول الخليج تحت رعاية أمريكية، وهي خطوة من شأنها أن تزيد من إدراكها للتهديد وتعزز دوافعها نحو امتلاك قنبلة نووية. وفي ضوء تصريحات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المتكررة بأن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما امتلكت إيران قدرات نووية، قد يتحول الاتفاق من دافع للتطبيع إلى محفز لمنافسة نووية إقليمية متفجرة وخطيرة.
إن ربط الصفقة باتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل يحول الخطوة بأكملها إلى أداة ضغط سياسي، ولكنه يكشف أيضاً عن ضعف عميق في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: الرغبة في الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي من خلال الصفقات النووية المدنية، دون مراعاة خطورة آثارها على التوازن الإقليمي ونطاق عمل إسرائيل.
يمثل هذا الأمر معضلة معقدة بالنسبة للسعودية. فمن جهة، تسعى المملكة إلى تعزيز مكانتها الإقليمية، وتنويع شراكاتها، وضمان استقلالها الاقتصادي والطاقي. ومن جهة أخرى، تدرك الرياض أن التطبيع مع إسرائيل - رغم معارضة 99% من الشعب السعودي لهذه الخطوة دون حل للقضية الفلسطينية - قد يمنحها دعماً أمريكياً أعمق، وشرعية دولية أوسع، وربما نفوذاً أكبر في مواجهة إيران.
إذا فُسِّر الربط بين الاتفاق النووي والتطبيع على أنه إكراه لا خطوة مدروسة لبناء الثقة، فمن المرجح أن تُشدد السعودية موقفها. لذا، فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على ما إذا كانت الرياض ستنضم إلى اتفاقيات أبراهام، بل على الشروط والتوقيت والتكلفة.
هذا يعني أن الاتفاق ليس مجرد مسألة طاقة أو بناء مفاعلات أو نقل تكنولوجيا متقدمة، بل هو خطوة تُعيد تشكيل بنية القوى الإقليمية، وتُوسع نطاق المخاطر، وتخلق واقعًا استراتيجيًا جديدًا أقل استقرارًا وأقل قابلية للتنبؤ وأكثر خطورة.
من وجهة نظر إسرائيلية، تقوّض الاتفاقية - التي تشمل أيضاً صفقات فرعية لبيع أنظمة أسلحة متطورة، من طائرات مقاتلة متطورة إلى أنظمة دفاع جوي وقدرات سيبرانية واستخباراتية - الافتراضات الأساسية لمفهوم الأمن القومي.
فإلى جانب خطر سباق التسلح وتآكل التفوق العسكري النوعي، يُشكّل إنشاء بنية تحتية نووية وتوفير قدرة تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية - دون إشراف دقيق ودون ارتباط مُلزم بترتيب سياسي شامل - سابقة استراتيجية خطيرة.
إضافة إلى منح الشرعية الأمريكية للبنية التحتية الحساسة في دولة خليجية رئيسية، فإن هذه الخطوة تزيد من خطر التسريب التكنولوجي، وتعطل حسابات الردع، وتقوض الجهود الدولية لاحتواء التهديد النووي الإيراني.
علاوة على ذلك، ورغم أن الإدارة السعودية الحالية تُظهر موقفاً براغماتياً ومؤيداً لأمريكا، فإن الواقع الإقليمي ديناميكي: فالبنية التحتية للتخصيب والمعرفة التكنولوجية التي يتم بناؤها حالياً لنظام صديق قد تقع في أيدي عناصر متطرفة أو نظام معادٍ في حالة حدوث اضطرابات داخلية في المملكة أو اضطرابات في سياستها الخارجية.
في الوقت نفسه، يُلحق الاتفاق ضرراً بالغاً بقوة إسرائيل التفاوضية. فإذا حققت السعودية مكاسب استراتيجية كبيرة مع واشنطن وقللت اعتمادها على الضمانات الأمنية دون دفع ثمن سياسي يتمثل في الاعتراف العلني بإسرائيل، فإن التطبيع سيفقد قيمته كأداة ضغط سياسي.
من شأن هذا الإنجاز أن يُرسخ مكانة الرياض كفاعل مستقل وحازم في مواجهة إيران وتركيا وإسرائيل، وأن يُفرغ الاتفاق النووي من مضمونه، وأن يُلغي الصلة بينه وبين ترتيب إقليمي أوسع وأمن إسرائيل.
سيتعين على واشنطن اتخاذ القرار
من جهة أخرى، تواجه إسرائيل مأزقاً استراتيجياً: فإذا ما مُورست ضغوط لإفشال الاتفاق، أو إذا أصرت السعودية على الفصل التام بين المسارين النووي والسياسي، فقد تُنفذ الرياض تهديداتها وتلجأ إلى بكين أو موسكو لبناء المفاعلات.
في مثل هذا السيناريو، ستُجبر واشنطن على الاختيار بين تقديم تنازلات بشأن الرقابة النووية - الأمر الذي سيُقوّض سياسة عدم الانتشار - وبين استخدام النفوذ الاقتصادي والأمني لفرض إطار سياسي على الرياض.
من جانبها، قد تخسر إسرائيل مرتين: الأولى خسارة الفرصة التاريخية للتطبيع، والثانية رؤية الصين تصبح لاعباً نووياً في قلب الخليج العربي في مشروع سيتم تنفيذه دون إشراف غربي.
تعكس زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي العاجلة إلى واشنطن أهمية المرحلة الراهنة. فالواقع يفرض على إسرائيل العمل على ثلاثة مسارات متوازية: على الصعيد الثنائي، عليها التعاون مع الإدارة الأمريكية والكونغرس لضمان آليات تفتيش صارمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإزالة اليورانيوم المخصب من حدود المملكة، والحد من قدرات الرياض التنموية المستقلة.
وعلى الصعيد الإقليمي، عليها تعزيز التحالف الاستراتيجي والأمني مع شركائها في اتفاقيات إبراهيم - وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة - لتشكيل جبهة موحدة لكبح سباق التسلح الجامح.
على صعيد الأمن الداخلي، يتعين على إسرائيل زيادة استثماراتها في الاستخبارات والدفاع والردع، وتحديث مفهومها للأمن القومي بما يتناسب مع عصر باتت فيه الأسلحة النووية المدنية جزءاً لا يتجزأ من اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ويُعدّ الاتفاق النووي الأمريكي السعودي لحظة اختبار تاريخية، فهو لا يتطلب استجابة سريعة ومنعاً للأضرار فحسب، بل يتطلب أيضاً من إسرائيل تبني قيادة استباقية وحكيمة ومتطورة، قيادة تُدرك قواعد اللعبة الجديدة وقادرة على صياغة استراتيجية جديدة في مواجهة واقع إقليمي أكثر تعقيداً وخطورة.