تغييرات القيادة في طهران وانعكاساتها السياسية
ترجمة الهدهد
أقالت الحكومة الإيرانية "محمد باقر ذو القادر" من منصبه كأمين عام لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي" وعين بدلاً منه "محسن رضائي" بعد خمسة أشهر فقط من تعيينه، في خطوة تعكس ظاهراً توجهاً نحو تشديد المواقف وفرض شروط جديدة لفتح "مضيق هرمز".
وبحسب تحليل لصحيفة "هآرتس" فإن هذه التغييرات تكشف في عمقها عن صراع سياسي وشخصي محتدم على السلطة والنفوذ داخل أروقة النظام في طهران، في ظل غياب الشخصية الحاسمة للمرشد الأعلى "علي خامنئي"، وتواري نجله "مجتبى خامنئي" عن المشهد، مما جعل اتخاذ القرارات يخضع لنقاشات جماعية ومحاولات استقطاب حثيثة بين مختلف التيارات.
وتأتي اقالة "ذو القادر"—الذي عين مستشارًا رفيعًا لـ "خامنئي" وتجريده من صلاحياته التنفيذية—بعدما كشفت وسائل الإعلام الإيرانية عن اصطفافه بشكل غير متوقع مع الكتلة الداعمة للمفاوضات التي يقودها الرئيس "مسعود بازشكيان" ورئيس البرلمان "محمد باقر قاليباف"، إلى جانب وزير الخارجية "عباس عراقجي" ونائبه "كاظم غريب أبادي" (صهر ذو القادر)، وذلك للتصدي للنهج المتشدد للمعارضين، بعد أن كان يُعتقد في "الغرب" والكيان أنه عين عقب اغتيال "علي لاريجاني" في مارس الماضي لمراقبة فريق التفاوض وتثبيت سيطرة "الحرس الثوري".
وفي المقابل، يتسلم "محسن رضائي" (72 عامًا)، القائد السابق لـ "الحرس الثوري" والحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد وصاحب الوعود الانتخابية الطموحة خلال محاولاته الرئاسية الأربع الفاشلة، مهامه الجديدة أمام معضلة معقدة؛ إذ يُعد "مضيق هرمز" الورقة الاستراتيجية الأبرز لإيران، لكنه في الوقت ذاته شريان يعيق اقتصادها ومصالحها، مما يضع النظام الإيراني والرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في مأزق مشتركة حول فرض السيطرة على هذا الممر المائي الحساس وتحديد مستقبله.
وعلى الجانب الأمريكي، يسعى "ترامب" إلى إيجاد مخرج مشرف للأزمة من خلال اعتماد المفاوضات الجارية بين طهران وسلطنة عُمان، والتي تنص خطوطها العريضة على منح إيران الحق في التحكم في حركة الملاحة البحرية الداخلة للمضيق مقابل مراقبة عُمان لمسار الخروج.
ويرى هذا الترتيب تنازلاً أمريكياً كبيراً واعترافاً ضمنياً بسيادة إيران على المضيق وتخويلها تحديد قواعد الملاحة في ممر كان مفتوحاً للجميع، شريطة أن يتمكن "ترامب" من إعلان فتح المضيق وتحقيق النصر دون المساس بهيبة الولايات المتحدة.
ورغم أن فتح مضيق هرمز كفيل بضخ دماء جديدة في الاقتصاد الإيراني عبر تصدير نحو 6 ملايين برميل نفط يوميًا بمدخول يصل إلى 4 مليارات دولار شهريا (بأصل سعر 70 دولارًا للبرميل)، إلا أن طهران تدرك أن هذه الخطوة لن ترفع العقوبات ولن توفر مئات المليارات المطلوبة لإعادة الإعمار.
وبناءً على ذلك، اشترطت إيران لفتح المضيق تنفيذ قائمة مطالب تشمل: انسحاب القوات الأمريكية، ودفع تعويضات الحرب، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات، ووقف الهجمات على حلفائها في العراق ولبنان واليمن، مطاِلبة بتطبيق بنود مذكرة يونيو كدفعة مقدمة قبل توقيع الاتفاق مع عُمان.
وفي الرد على هذه الشروط، يواصل "ترامب" سياسة الحصار والحرب الاقتصادية ضد إيران، والتي يعاني اقتصادها بالفعل من انهيار وبنية تحتية شبه معطلة وتضخم بلغ 80%، إلى جانب تآكل الطبقة المتوسطة وفقدان مئات الآلاف من الوظائف.
ورغم هذه الظروف الصعبة، يراهن النظام الإيراني—على غرار تجارب سابقة في العراق وطالبان وكوبا—على قدرته العالية على التكيف مع العقوبات وإنشاء شبكات تجارية بديلة وفرض نظام تقشفي قاسٍ، مما يرجح تحول نزاع مضيق هرمز إلى صراع أيديولوجي ومفصلي حاسم يحدد مستقبل موازين القوى داخل البلاد.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "تسفي بارئيل"