كيف تُدار المعركة الانتخابية الصهيونية بتقنيات الذكاء الاصطناعي وبرمجيات التجسس؟
ترجمة الهدهد
كشف تحقيق لصحيفة "هآرتس" العبرية عن تحوّل الساحة الانتخابية في "إسرائيل" إلى ميدان مفتوح لاستخدام أدوات التضليل الرقمي، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات غير الخاضعة للرقابة.
حيث تسعى الأحزاب السياسية للالتفاف على تشريعات حماية الخصوصية وقوانين الانتخابات القديمة التي صيغت في خمسينيات القرن الماضي، عبر استغلال ثغرات تكنولوجية متطورة تهدف إلى التلاعب بوعي الناخبين، وتزييف التوجّهات العامة، وسرقة بيانات "الإسرائيليين" الشخصية.
وأشار التحقيق إلى أنه منذ انتخابات نوفمبر 2022 وإطلاق نموذج "جي بي تي شات" (GPT Chat)، شهدت وسائل الدعاية الانتخابية طفرة تكنولوجية هائلة تتجاوز الأطر القانونية التقليدية؛ إذ تتنوع هذه الأدوات بين برامج آلية (روبوتات) تُحرف نتائج استطلاعات الرأي، وشخصيات افتراضية (أفاتار) تُوجه الخطاب العام، وأنظمة استخباراتية كانت تُستخدم في أغراض التجسس الخارجي وتُباع اليوم للأحزاب، فضلاً عن محاولات التأثير على إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي مثل "كلود" (Cloud) و"جميناي" (Gemini) و"جي بي تي شات".
أسطول من "الروبوتات" لتزييف استطلاعات الرأي
وكشف التحقيق عن ظهور خدمة جديدة ومربحة في سوق الانتخابات تتمثل في شراء "أسطول من البرامج الآلية" التي تقوم بمسح شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت لتحديد مواقع استطلاعات الرأي الرقمية "المفتوحة" والتصويت فيها بشكل منهجي لصالح مرشح محدد.
وأوضح التقرير أن هذه الاستطلاعات -التي تُنشر عبر منصات مثل "إنستغرام" و"واتساب" و"تيليجرام" والرسائل النصية- لا تستند إلى عينات إحصائية علمية، ولكنها تُستغل إعلامياً لبناء زخم زائف لمرشحين مثل "غادي آيزنكوت" أو "نفتالي بينيت"؛ حيث أظهر استطلاع أجرته صفحة "بوش" على "إنستغرام" تفوق "آيزنكوت" بنسبة 77% من أصل 140 ألف مشارك نتيجة للتلاعب بهذه البرمجيات التي تهدف لطمأنة الناخبين وخلق انطباع وهمي بالقوة.
"عملاء تأثير وهميون" وشركات التضليل
ولفت التحقيق إلى التطور الخطير في استخدام هويات رقمية مزيفة أكثر تعقيداً تُعرف بـ "الصور الرمزية" (الأفاتار)؛ وهي حسابات ينتحل أصحابها شخصيات حقيقية ولكن يُديرها مشغلون بشر خلف الكواليس لترديد رسائل الحملات، والتفاعل مع مقاطع الفيديو، واختراق المجموعات المغلقة للتأثير على الناخبين من الداخل.
واستحضر التقرير ما كشفته صحيفتا "هآرتس" و"ذا ماركر" سابقاً عن وجود شركات تجارية في كيان العدو تُدير عشرات الآلاف من الهويات المزيفة لبث الفوضى وتخريب العمليات الديمقراطية بالخارج، فضلاً عن قيام المؤسسات الأمنية للعدو في عام 2024 بامتلاك وإدارة نظام تأثير ضد مشرعين في الولايات المتحدة عبر شركة خاصّة، قبل أن تُتاح ذات التقنيات للاستخدام في الحملات المحلية داخل كيان العدو.
"جيوش المتطوعين" والتوجيه المباشر
وإلى جانب النشاط الرقمي الوهمي، كشف مستشار سياسي للصحيفة عن اعتماد الحملات على تجنيد "جيوش من المتطوعين" الحقيقيين عبر الرسائل النصية الجماعية والحملات الممولة.
ويضم هذا النظام آلاف المؤيدين (يصل عددهم في إحدى الحملات إلى نحو 6000 شخص) يتلقون صباح كل يوم ورقة تعليمات تتضمن رسائل، وصوراً، ومقاطع فيديو، وروابط يُطلب منهم نشرها والتفاعل معها بصورة مكثفة، لخلق خطاب جماهيري يبدو للوهلة الأولى عفوياً وأصيلاً بينما هو في الحقيقة مُملى وموجّه كلياً من قيادة الحزب.
تقنيات تجسسية واستنزاف بيانات الناخبين
وفيما يتصل بجمع البيانات، بيّن التقرير أن الأحزاب تسعى لإثراء "سجل الناخبين" الرسمي الصادر عن وزارة داخلية العدو باستخدام أنظمة برمجية معقدة مثل أنظمة إدارة علاقات الناخبين (VRM) التي تصل تكاليفها إلى أكثر من 100 ألف شيكل خلال الموسم الانتخابي.
كما تُسخّر الأحزاب تطبيق "إليكتور" (Elector) الذي يتتبع التوجهات السياسية عبر مزامنة قائمة جهات الاتصال لدى المؤيدين (علماً أنه تسبب عام 2020 في تسريب بيانات نحو 6 ملايين إسرائيلي).
ولعل أخطر ما كشفه التحقيق هو شراء الأحزاب لتقنيات تحليل بيانات المستخدمين عبر الإنترنت (AdInt) التي تُتيح كشف الهويات الرقمية وربط أرقام الهواتف بالسلوك التصفحي لـ "لإسرائيليين"؛ وهي تقنيات عسكرية وأمنية كانت حكراً على عالم التجسس وجمع المعلومات الاستخباراتية -مثل تتبع العلماء النووين في إيران- وأصبحت تُباع للشركات التجارية والأحزاب السياسية في كيان العدو لربط الملفات الشخصية بالتصنيف السياسي.
مواجهة مع لجنة الانتخابات المركزية
وأشار التحقيق إلى الصدام الذي وقع مؤخراً بعدما أصدر رئيس لجنة الانتخابات المركزية بالكيان، القاضي "نوعام سولبرغ"، حظراً يُمنع بموجبه مراقبي الأحزاب في مراكز الاقتراع من نقل بيانات وقت تصويت "الإسرائيليين" إلى مقرات أحزابهم لحث المترددين على الاقتراع؛ حيث عدّ القاضي هذا الإجراء انتهاكاً صارخاً لخصوصية الناخبين، وهو ما أثار غضباً واسعاً لدى حزبي "الليكود" والأحزاب "الحريدية" باعتبارهما المستخدمين الأساسيين لهذه الأنظمة الميدانية.
المكالمات الذكية واختراق محركات الذكاء الاصطناعي
وعلى صعيد التواصل المباشر، طوّرت الأحزاب تقنيات المكالمات الآلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لتخاطب الناخبين بأسمائهم شخصياً (مثل: "مرحباً عمر، معك بنيامين نتنياهو") والإجابة على أسئلتهم بآليات مبرمجة.
كما اتجهت الحملات إلى ضخ محتوى هائل على الإنترنت لتوجيه نماذج الذكاء الاصطناعي (مثل: ChatGPT، Cloud، Gemini)؛ فبالرغم من تحفّظ هذه البرامج في إجابة الأسئلة المباشرة حول المرشح الأفضل، إلا أن صياغة الأسئلة المحددة (مثل: "من المرشح الأقدر على إعادة مكانة إسرائيل؟") تجعل هذه النماذج تستحضر المحتوى الموجه وتُبرز أسماء مثل "يائير لابيد" أو "نفتالي بينيت" أو "غادي آيزنكوت".
بيئة بلا "خطوط حمراء" وسيناريوهات التشكيك
واختتم التقرير بتحذيرات حقوقية وأكاديمية صريحة؛ إذ أكد المحامي "شاهر بن مئير" أن غياب الأطر الحزبية الحديثة وتجاهل توصيات التحديث التشريعي يعود إلى رغبة حزب "الليكود" ورئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" في العمل داخل بيئة تفقد الضوابط، مستشهداً بمقولة "عوفر غولان" (المدير السابق لحملة الليكود): "ليس لدينا خطوط حمراء.. الهدف هو الفوز، وبعد ذلك سنعمل على احتواء الأضرار".
من جانبها، حذرت الدكتورة "تهيلا شوارتز ألتشولر" (من معهد الديمقراطية الإسرائيلي) من أن الخطر الأكبر لهذه الأدوات التضليلية لن يقتصر على كسب الأصوات، بل قد يمتد فور إغلاق الصناديق إلى اختلاق سردية فجائية تتحدث عن "سرقة الانتخابات" وتقويض ثقة الجمهور بانتظام ونزاهة نتائج الاقتراع، مما يفتح الباب أمام أزمات سياسية واجتماعية غير محسوبة العواقب.