"سموتريتش" يخنق السلطة الفلسطينية مالياً مقابل إقامة المستوطنات
ترجمة الهدهد
تُقدّم الأحداث والمواجهات الأخيرة في قرية "قصره" الفلسطينية بالضفة الغربية صورة كاملة وموجزة عن حالة فقدان السيطرة السياسية والأمنية المتصاعدة، وسط جدل واسع داخل "المؤسسة الأمنية الإسرائيلية" حول مسألة "الحصانة المؤقتة" وتبايُن حاد في تقييم المخاطر.
إذ يُحذر "الجيش الإسرائيلي" من أن الضفة الغربية أضحت على وشك الانفجار الكلي نتيجة لتصاعد الأنشطة الإرهابية اليهودية، وتدهور السلطة الفلسطينية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية المعيشية، في حين يرى جهاز الأمن العام "الشاباك" أن الوضع الأمني لا يزال يشهد استقراراً وقدرة على ردع الشارع الفلسطيني وتحقيق زيادة في إحباط العمليات الفدائية والاعتقالات.
ويرجع هذا التباين التقييمي بين الأجهزة الأمنية في جانب منه إلى مواقف ورؤية رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك"، "ديفيد زيني"، الذي يُوسّع أنشطة القسم اليهودي داخل الجهاز وينوي إعادة تأهيله وتعزيزه، مع حرصه في الوقت ذاته على عدم تقويض السلطة الفلسطينية تحت قيادته.
وتتجلى أبعاد هذه الأزمة في الخلاف السياسي والمالي الذي شهدته جلسة "الكابينت" (مجلس الوزراء الإسرائيلي) قبل نحو سبعة أسابيع، لمناقشة مسألة آليات المقاصة المصرفية في البنوك الفلسطينية؛ حيث يصل حجم التبادل التجاري بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية إلى أكثر من 20 مليار شيكل، وهو التبادل الذي يُعد شرياناً وحاضنة أساسية لوجود السلطة، عبر بنكي "ديسكونت" و"هبوعليم" -الإسرائيليين- اللذين يعملان كمزودي خدمات المقاصة وتحويل الأموال بين البنوك الفلسطينية و"الاقتصاد الإسرائيلي".
سابقاً كانت "الحكومة الإسرائيلية" تتكفل لـ "البنوك الإسرائيلية" الوسيطة بالتعويض لحمايتها ولطمأنتها حال التعرض لدعاوى قضائية مدنية بمليارات الدولارات أمام محاكم دولية أو أمريكية إذا اكتُشف وجود حسابات لمنظمات تُوصف بالإرهابية لدى البنوك الفلسطينية.
إلا أن القصة اتخذت مساراً مختلفاً مع تولّي وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش" منصبه؛ فبعد أن وافق ووقع على التعويضات في البداية، غيّر رأيه عندما أدرك أنه يمتلك سلطة هائلة لفرض حصار اقتصادي مباشر على السلطة الفلسطينية بذريعة عدم إيفاء البنوك الفلسطينية بكامل التزاماتها لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، فبدأ بالتلاعب بمدة الخطابات عبر التوقيع على تمديدات قصيرة الأجل لمدة ثلاثة أشهر فقط، بالتوازي مع التركيز على فضح صلات المصارف الفلسطينية بالأنشطة العسكرية واستخدام الابتزاز الصريح.
وعرقل "سموتريتش" بالتوازي خط أنابيب الأكسجين البديل الذي أنشأه الكيان، والمتمثل في شركة حكومية كان من المفترض أن تعمل كمركز تنسيق مالي للفلسطينيين، في ظل خوف المسؤولين الماليين من شغل مناصب إدارية فيها تجنباً للدعاوى القضائية الشخصية حول العالم.
واستغل "سموتريتش" هذا الوضع لصالح أهدافه السياسية وسلاحه السري؛ حيث توافد عليه المسؤولون الأوروبيون والأمريكيون والدوليون، مستخدماً الورقة المالية والتسويف في "خطابات التعويض" للضغط على واشنطن والدول الغربية واستخلاص تنازلات كبرى لصالح توسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء مستوطنات جديدة، والتغاضي عن البؤر والمزارع الاستيطانية.
وأدى هذا التضييق المتواصل إلى وصول البنوك الإسرائيلية "ديسكونت" و"هبوعليم" إلى مرحلة الانهيار والرغبة في الانسحاب والتوقف الكامل عن عمليات المقاصة تجنباً للمخاطر؛ وهو ما أثار رضا "سموتريتش" الذي رأى أن قطع التمويل عن السلطة الفلسطينية سيبدو كقرار اتخذته المؤسسات المالية الخاصة دون أن يتحمل هو المسؤولية المباشرة.
وأمام هذا المأزق، عُقد اجتماع لـ "مجلس الوزراء" قبل شهرين تقريباً طلبت فيه الحكومة التقدير المهني لـ "الشاباك"؛ وحذر "ديفيد زيني" ورجاله الكابينت من أن الامتناع عن إصدار "خطابات التعويض" سيوقف التحويلات المالية ويرفع احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية وتدهور الاقتصاد، ناهيك عن تحوّل التعاملات المالية للعمال والتجار الفلسطينيين إلى النقد والعملات الأجنبية، مما يحرم "المؤسسة الأمنية الإسرائيلية" من القدرة على تتبع حركة تلك الأموال.
وإزاء تحذيرات "الشاباك"، تراجعت "الحكومة الإسرائيلية" بمشاركة "وزير المالية" وقررت سريعاً منح البنوك الإسرائيلية "خطابات تعويض" ممتدة حتى نهاية عام 2026 بشرط الاستمرار في العمل مع السلطة الفلسطينية.
وقد واجه هذا القرار معارضة حادة من وزير الأمن القومي "إيتامار بن غفير"، وهو الوزير الوحيد الذي صوّت ضده، مهاجماً "سموتريتش" داخل المجلس بقوله: "السلطة الفلسطينية هي دماء يهودية أُريقت، لقد بعتَ مبادئك مقابل بناء بضعة منازل".
ورغم قرار التمديد، يرى "سموتريتش" أنه حقق أقصى ما يمكن استغلاله حزبيين وسياسياً، مُراهناً على فرض عقوبات وتحقيقات دولية قادمة ضد المصرفيين الفلسطينيين بتهم تمويل الإرهاب، ومُرحّلاً المشكلة إلى الحكومة المقبلة، في ظل انفراجة طفيفة تمثلت في إقناع "بنك إسرائيلي" واحد على الأقل بالعودة لآلية المقاصة مؤخراً. وتتلخص رؤية "سموتريتش" في أن أفضل السيناريوهات هي أن تُجبر السلطة على مواجهة عناصرها، أو أن تنتهي بالانهيار الكامل.
وتخلص التحليلات إلى أن المشهد الراهن يُعد كارثياً؛ فعلى الرغم من ضعف السلطة الفلسطينية وتفشي الفساد فيها، إلا أن بقاءها يخدم مصالح إسرائيلية حيوية، وبدونها ستضطر "إسرائيل" إلى إعادة الاحتلال الكامل لمليوني فلسطيني وتحمّل مسؤوليات جمع القمامة، وتمويل المدارس، وتعيين محافظين في مدن مثل "الخليل" و"نابلس".
وإن ممارسة الضغط الاقتصادي على السلطة الفلسطينية بالتوازي مع الحفاظ على التبادل التجاري، واتهامها بدعم الإرهاب مع مطالبتها بشن اعتقالات، ودعم احتجاجات "فتية التلال" الاستيطانية مع الادعاء أمام العالم بالالتزام بالقانون الدولي، يكشف أن السياسة الفعليه المتبعة هي إشاعة الفوضى والاضطراب.
وفي قلب هذه الفوضى، تمكنت قيادات مثل "سموتريتش" من اقتناص مكاسب سياسية واستيطانية كبيرة على المدى القصير، بينما تقع "المؤسسة الأمنية" تحت ضغوط هائلة في لعبة مالية وسياسية باهظة الثمن.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "نداف إيال"