ترجمة الهدهد
ما الذي يريده "ترامب" حقاً في الشرق الأوسط؟

تعمل الولايات المتحدة جاهدةً على تنفيذ رؤية "ترامب" للشرق الأوسط — في غزة وسوريا ولبنان. يزعم البعض أن "ترامب" يفتقر إلى استراتيجية؛ وسيحكم التاريخ على ذلك، لكن في الوقت الراهن، تشير الأفعال على أرض الواقع إلى عكس ذلك.

يُعيد "ترامب" تشكيل المنطقة وفقاً لخطوط سياسية واضحة إلى حد كبير، صحيح أن تصوره قد يكون خاطئاً أحياناً لأنه لا يُراعي الدين والأيديولوجيا بالقدر الكافي، كما أن تغريداته المتناقضة بوتيرة سريعة لا تُساعد على فهم الصورة، لكن لديه سياسة تؤثر بشكل مباشر على "إسرائيل".

يعود ذلك إلى أن "إسرائيل" وافقت، في الواقع، على "تفويض أمريكي" لسياستها الأمنية القومية، وهذا تطورٌ خطير يجعلنا نتوقف عنده لحظة: فالرؤية الأمريكية هي التي تُشكّل فعلياً سياسة "الأمن القومي الإسرائيلي" وليس "إسرائيل"، بل واشنطن، وتُعدّ دراسة تطبيق هذه الرؤية في غزة مثالاً يُعلّمنا كيف سيكون الوضع في لبنان وسوريا مستقبلاً.

كيف أصبحت الخطة ذات النقاط الـ 20 حقيقة واقعة؟

تُعدّ "الخطة المكونة من 20 بنداً" تنفيذاً لقرار "الحكومة الإسرائيلية" بشأن "اليوم التالي" في غزة، وهو قرار اتُخذ حتى قبل العملية البرية وظلّ معلقاً إلى أن فرضته إدارة "ترامب" من الخارج.

 

نصّت الخطة التي أقرّها "مجلس الوزراء" لإدارة الحرب على أنه بعد هزيمة حركة حماس، سيتم نقل السيطرة المدنية في غزة إلى حكومة تكنوقراطية مستقلة عن حماس والسلطة الفلسطينية، مع تجديد مبادرة توسيع "اتفاقيات أبراهام"، وهذا ما يحدث الآن إلى حد كبير.

كان الدافع وراء تطبيق الولايات المتحدة لبنود الاتفاق الـ 20 مزيجاً من ثلاثة أحداث وقعت في الماضي:

1.    "الخطة الإسرائيلية" لاحتلال مدينة غزة وتدميرها.

2.    ضغط عائلات الأسرى على الرئيس الأمريكي.

3.    "الهجوم الإسرائيلي" على "الدوحة" الذي قوّض أمن دول الخليج.

هذا التسلسل من الأحداث دفع "ترامب" إلى تطبيق الخطة التي أفضت في نهاية المطاف إلى إطلاق سراح الأسرى.

تضمنت الخطة أيضاً إنشاء مجلس إدارة دولي متخصص لغزة يُدعى "مجلس السلام"، يتولى الإشراف على الإدارة التكنوقراطية التي ستحل محل حماس في السلطة وهي "المجلس الوطني الإداري لغزة". وستتلقى هذه الإدارة الدعم من قوة أمنية دولية للحفاظ على الأمن والنظام والإشراف على نزع السلاح من القطاع تُعرف بـ "قوة الاستقرار الدولية".

وافقت "إسرائيل" من جانبها على وقف إطلاق النار والانسحاب التدريجي من قطاع غزة بشروط نزع السلاح، والسماح بإعادة الإعمار في المناطق التي تم "تطهيرها من حماس" — حتى وإن لم توافق حماس ولم تتعاون. لكن البند الحساس سياسياً هو البند (19): فقد وافقت "إسرائيل" على عملية سياسية مستقبلية تُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية، هذا هو مفتاح توسيع "اتفاقيات أبراهام" — وهو، كغيره من بنود الاتفاق، جزء من رؤية "ترامب".

كيف وافقت حكومة يمينية متطرفة على تدويل الصراع، وإدخال قوة أجنبية إلى قطاع غزة، والقبول بعملية سياسية تُفضي إلى قيام دولة فلسطينية؟

الجواب البديهي: لم يكن أحدٌ يثق حقاً بأن حماس ستفي بالتزاماتها، كان الافتراض السائد أن الخطة ستتوقف بعد المرحلة الأولى — استعادة الأسرى — وأن كل شيء سينهار، ويُلقى اللوم على حماس.

-بحسب الكاتب- لم تفِ حماس بالتزاماتها؛ فمع بدء عملية "زئير الأسد"، نكثت بوعدها بنقل الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومواقع الإنتاج إلى الحكومة التكنوقراطية. وردّ "الجيش الإسرائيلي" باحتلال أجزاء إضافية من قطاع غزة — مرتفعاً من 53% وقت صدور وثيقة النقاط الت 20 إلى ما يقارب 65% اليوم — وزاد من وتيرة الاغتيالات ومنفذي هجمات 7 أكتوبر.

من جانبها، لم تطلق حماس صاروخاً واحداً على "إسرائيل"، بل سارعت إلى تعزيز نفوذها وإحكام قبضتها على السكان عبر فرض الضرائب على السلع وفرض القانون والنظام في عملية استيلاء هادئة -بحسب الكاتب-.

كان هذا الوضع مناسباً للجميع: "إسرائيل" وحماس، والسلطة الفلسطينية التي تعتبر الحكومة التكنوقراطية منافساً سياسياً. واستمر الجمود طالما انشغلت الولايات المتحدة بالحرب في إيران. ومع تراجع نفوذها، عاد "ترامب" — الذي كان يسعى لتحقيق إنجاز تاريخي — إلى ملف غزة و"الصراع الإسرائيلي" الفلسطيني. إن الجمع بين الضغط العسكري على القطاع واهتمام واشنطن المتجدد هو ما يفسر مبادرة "مجلس السلام المكونة من 15 بنداً".
خطة النقاط الـ 15: الاتفاقية التي تكاد "إسرائيل" لا تكون طرفاً فيها

بخلاف "خطة النقاط الـ 20" التي وقعت عليها "إسرائيل"، فإن هذه الاتفاقية تغيب عنها "إسرائيل" بشكل شبه كامل (باستثناء موافقة مجلس الوزراء على إدخال قوة عسكرية أجنبية إلى الأراضي الإسرائيلية — وهي الموافقة التي صدرت في 26 يوليو/تموز). أما "خطة النقاط الـ 15" فهي اتفاقية بين "مجلس السلام" وحركة "حماس"، تهدف إلى إقناع الحركة بالموافقة على تشكيل حكومة تكنوقراطية.

لا يتعارض ذلك مع "خطة النقاط العشرين"، لكنه لا يروق لـ "لإسرائيليين"؛ فالنبرة تجاه حماس متملقة أحياناً، والتركيز على أمن نشطاء حماس في المرحلة الانتقالية مبالغ فيه، كما تخلق الصياغة توازناً بين حماس و"إسرائيل" وكأنهما طرفان متساويان لا يثق أحدهما بالآخر.

وبعيداً عن الحديث العام الذي يمكن أن يُقال عنه المثل العربي: "لا ضريبة على الكلام"، فإن الخطة تواجه ثلاث مشاكل عملية حقيقية:

1.    أولاً: تُعدّ قطر وتركيا جزءاً من آلية التحقق التي من المفترض أن تُقدّم تقريراً عن نزع سلاح حماس، وهو تقرير سيُلزم "إسرائيل" بالانسحاب بالتوازي. لكنّ القلق يكمن في أنّهما في الواقع تُريدان الحفاظ على وجود حماس في قطاع غزة.

2.    ثانياً: سيتم إيداع أسلحة حماس لدى سلطة أمنية فلسطينية غير واضحة المعالم من حيث التكوين والصلاحيات. ووفقاً لتصريحات علنية لشخصيات من حماس، فإن الأسلحة "الشخصية" — بما فيها العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات بحسب قولهم — غير مشمولة في الإيداع على الإطلاق. إن فكرة التطهير الكامل للأسلحة، في ظل هذا الواقع، تنطوي على قدر كبير من السذاجة.

3.    ثالثاً: من غير الواضح من سيتولى حفظ الأمن والنظام في قطاع غزة. وقد يؤدي الاتفاق المبدئي على إشراك عناصر حماس في هذه القوة (رهناً بالموافقة الأمنية وتسليم الأسلحة) إلى خلق ما سعوا إلى منعه تحديداً: حكومة تكنوقراطية يكون جهاز أمنها الداخلي، في الواقع، مُكوّناً من عناصر "حماس.

الحل التفاضلي: "إشارة مرور" ثلاثية الألوان

باختصار: انسحبت" إسرائيل" من "المنطقة الخضراء" فقط مقابل نزع سلاح مؤكد في "المنطقة الحمراء"، وفي "المنطقة البرتقالية" تقوم فعلياً ببناء المنطقة العازلة — وهي جوهر غزة القادمة، بدون حماس وتحت إدارة حكومة تتعاون مع "إسرائيل".

مواجهة "ترامب" بشكل مباشر ليست فكرة جيدة، والانسحاب من "خطة النقاط العشرين" ليس فكرة جيدة أيضاً؛ لذا يبقى خيار ثالث: تطبيق مبادرة "مجلس السلام" الجديدة بطريقة تُحسّن فعلياً الوضع الأمني لـ "إسرائيل"، وهذا يعني تطبيقها بشكل مختلف في ثلاث مناطق:

ينقسم قطاع غزة حالياً إلى ثلاث مناطق:

  • "المنطقة الحمراء" (حوالي 40%): وهي مساحة معيشة نحو مليوني غزي، وتخضع لسيطرة حماس.
  • "المنطقة الخضراء" (حوالي 50%): تمتد من حدود غزة إلى الخط الأصفر الأصلي، وتخضع لسيطرة "الجيش الإسرائيلي".

 

  • "المنطقة البرتقالية" (حوالي 10%): وهي المنطقة التي احتلها "الجيش الإسرائيلي" خلف الخط الأصفر منذ وقف إطلاق النار.

ستتولى الحكومة الفلسطينية الجديدة ("لجنة التكنوقراط الفلسطينية") إدارة "المنطقة الحمراء"، وستنقل حماس التي وافقت على دخولها صلاحيات الحكم إليها. وستبقى الأسلحة الخفيفة بحوزتها مؤقتاً للدفاع عن النفس ومنع اندلاع حرب أهلية، على أن تتخلى تدريجياً عن جميع أسلحتها.

كلمة "القول" هي الكلمة المفتاحية هنا؛ حيث سيتم التحقق من أي تسليم للأسلحة عبر آلية دولية تضم — بالإضافة إلى تركيا وقطر — الولايات المتحدة ودولاً تحظى بمصداقية عالية لدى "إسرائيل". ولن يتم تنفيذ "الانسحاب الإسرائيلي" إلا وفقاً لهذا التحقق: أرض مقابل أرض، ونزع سلاح مقابل نزع سلاح.

ستنتشر "قوة الاستقرار الدولية" في "المنطقة البرتقالية"، وستبدأ أعمال إعادة الإعمار عبر مشاريع إسكانية للسكان الذين اجتازوا الفحوصات الأمنية. ومع توسعها، ستصبح منطقة عازلة بين المنطقتين "الحمراء" و"الخضراء" — وهي قلب "غزة الجديدة"، الخالية من حماس وتحت سيطرة قوة الاستقرار. وإذا ما تحقق نزع السلاح الكامل، ستتولى الحكومة التكنوقراطية أيضاً السيطرة على "المنطقة البرتقالية" التي أعيد تأهيلها.

ماذا يعني هذا عملياً؟

يُوصَف مشروع "ترامب" في وثائقه بأنه "مسارٌ ذو مصداقية نحو إقامة دولة فلسطينية". وهو لا يحلّ "الصراع الإسرائيلي" الفلسطيني، ولكنه يُعدّ تقدماً كافياً يسمح بانضمام دول أخرى إلى "اتفاقيات أبراهام".

  • المخاطرة: العملية بطيئة للغاية، وفي الشرق الأوسط لا شيء يبقى مستقراً لفترة كافية لتحقيق مثل هذه الرؤية الطموحة — خاصة عندما يعتمد نجاحها على نزع السلاح الطوعي لمنظمة مسلحة.
  • الفرصة: لم تعد حماس تسيطر حصرياً على غزة، ويواصل "الجيش الإسرائيلي" سيطرته على "المنطقة الخضراء" كضمانة لنزع سلاح موثوق. كما أن وجود ديناميكية إيجابية تحمل في طياتها بوادر عملية سياسية يقلل من خطر العزلة السياسية ويزيد من فرص تطبيع العلاقات على نطاق أوسع في الشرق الأوسط.
  • الدرس المستفاد: الاستعانة بمصادر خارجية للأمن أمر واقع، والآن نحتاج إلى معرفة كيفية إدارته.

إن "الغموض البنّاء" الذي يستخدمه "ترامب" يسمح لجميع الأطراف بالاتفاق، ولكنه يفتح الباب أيضاً أمام الخداع، والروايات البديلة، وتشويه الرسالة، فتصبح الحقيقة أكثر غموضاً. كما يمنع هذا الغموض إجراء نقاش عام حقيقي حول الاستراتيجية التي تُطبّق حالياً على أرض الواقع.

الحقيقة البسيطة هي أن إسرائيل لم تعد مستقلة تماماً في سياستها الخارجية؛ فالولايات المتحدة تديرها وتمليها. وهذا يتطلب تعاوناً وثيقاً والتزاماً أمريكياً بتنفيذ سياسات لا تتعارض مع "المصالح الإسرائيلية". لا تتمتع "إسرائيل" بامتياز أن تُنظر إليها كعامل مُزعزع ومُتمرد، لكنها تمتلك قدرة حقيقية على خلق توافق مصالح مُفيد.

اختارت "إسرائيل" تفويض جزء من أمنها القومي إلى واشنطن، ويبقى السؤال المطروح: هل ستعرف "إسرائيل" أيضاً كيف تُراقب هذا المورّد؟

خمس توصيات ختامية:

1.    الشفافية مع الجمهور: يجب على "الحكومة الإسرائيلية" أن توضح للجمهور بشكل أفضل سياستها، وكيفية تطبيقها على أرض الواقع، والفرص الكامنة فيها، حتى وإن كانت تتعارض مع رؤية أطياف الائتلاف الأكثر يمينية. فالنقاش العام المفتوح ليس ترفاً، بل ضرورة.

2.    ضرورة التعاون: لا تملك "إسرائيل" الكثير من الحلفاء الأقوياء خارج الولايات المتحدة، وفقدان دعم الرئيس الأمريكي في مثل هذه اللحظة الحرجة أمر بالغ الخطورة، لا سيما بالنظر إلى ردة فعله العاطفية والتنفيذية تجاه أي تلميح للمحاباة أو الإهانة الشخصية. لذا، يجب تبني هذه السياسة مع معالجة المشكلات والثغرات الناجمة عن غموضها في الوقت نفسه.

 

3.    تسريع العملية: يحوّل مخطط "ترامب" الإنجازات العسكرية لـ "الجيش الإسرائيلي" — كغزو الأراضي وتدمير قدرات العدو — إلى إنجاز سياسي. صحيح أن هناك شكوكاً كبيرة حول القدرة على نزع سلاح "المنظمات الإرهابية"، لكن تركها في السلطة أسوأ. عمق الدفاع مهم، لكن ليست كل الأراضي وكل النقاط على نفس القدر من الأهمية. وعملية الانسحاب تدريجية ومقترنة بالتحقق ويمكن إيقافها في أي مرحلة؛ لذا توجد مساحة كافية للشروع في هذه الرحلة ودراسة تنفيذها على أرض الواقع.

4.    التوازن السياسي: نحن في أيام حملات انتخابية؛ والتصريحات التي تساعد الحملة على المدى القصير (مثل رفض مبادرة "مجلس السلام" والتقليل من شأن مبادرة "ترامب") قد تضر بالعلاقات مع الرئيس الأمريكي على المدى المتوسط، وتحد من حرية المناورة السياسية لاحقاً.

5.    مواجهة خطر تدهور العلاقات: يجب مواجهة خطر تدهور "العلاقات الإسرائيلية" الأمريكية بحزم. يتطلب ذلك تغييرًا في السياسة من جانب "الحكومة الإسرائيلية" بهدف تحسين مكانة "إسرائيل" الدولية ومنع المزيد من التدهور. يمكن تحقيق ذلك في جميع جبهات الحرب وعلى الصعيد الداخلي، لكنه يتطلب مبادرة سياسية، وقيادة أخلاقية، ومهارات إدارية فعّالة.

خلاصة القول: إن تدهور "العلاقات الإسرائيلية الأمريكية" يُمثل تهديداً خطيراً للغاية، ويتفاقم هذا التهديد بشكل مضاعف في ظل الواقع الذي تُحدد فيه الولايات المتحدة "السياسة الخارجية الإسرائيلية" وتُقيدها.

المصدر: "القناة 12"/ اللواء (احتياط) "تامير هيمان"، الرئيس السابق لـ "مديرية الاستخبارات العسكرية" والقائد السابق لفرقة الشمال بجيش العدو، والذي يرأس حالياً معهد دراسات الأمن القومي "INSS".