التوتر الإسرائيلي ـ التركي في الساحة السورية
شبكة الهدهد
الدكتور رامي دانيال - القناة 12
باحث في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وخبير في العلاقات الإسرائيلية التركية
يُعدّ القصف الإسرائيلي لشمال سوريا حدثًا استثنائيًا في السياق السوري، وفي ظلّ الأزمة المتصاعدة في العلاقات بين تركيا وإسرائيل. ففي اتفاقٍ أُبرم بين أنقرة واسرائيل عقب سقوط نظام الأسد، قُسّمت سوريا بشكلٍ غير رسمي.
وتسيطر تركيا على شمال البلاد، بينما تسيطر إسرائيل على جنوبها، دون تدخّلٍ من الطرف الآخر. ومع قصف هذا الأسبوع، توغلت إسرائيل شمالًا إلى أبعد بكثير مما كانت تركيا مستعدةً لقبوله.
علاوةً على ذلك، وعلى عكس العمليات العسكرية السابقة، قررت الحكومة الإسرائيلية التخلي عن "مساحة الإنكار" التي مكّنت في كثير من الأحيان من منع التصعيد مع الأطراف الإقليمية الأخرى. هذه المرة، لم يكتفِ رئيس الوزراء بتحمّل مسؤولية القصف، بل صرّح بشكلٍ قاطعٍ بأنه كان يستهدف تركيا.
تتزامن هذه الأحداث مع أزمة متعددة الأوجه بين تركيا وإسرائيل، تتسم بتضارب المصالح في غزة، بالإضافة إلى الساحة الفلسطينية، وسوريا، والخليج، وشرق المتوسط، والبحر الأحمر، وغيرها. وفي هذا السياق، كان من المتوقع أن تفسر تركيا القصف الإسرائيلي على أنه انتهاك للوضع الراهن بين البلدين.
ويحمل هذا الانتهاك مخاطر جمة، لا سيما وأن تركيا قادرة على ربط ساحات التوتر مع إسرائيل، وقد ترد في مناطق تتمتع فيها بنفوذ نسبي، كالبحر المتوسط.
على الرغم من ذلك، اتسم الرد التركي الرسمي حتى الآن بنوع من الاعتدال، على عكس وسائل الإعلام المحلية التي تدعو إلى الانتقام. فرغم إدانة ممثلي الحكومة التركية للقصف الإسرائيلي، إلا أنهم حاولوا التقليل من شأن الحادث.
فقد قدموا القصف على أنه هجوم على سوريا وليس على تركيا، وأكدوا أن الجنود الأتراك لم يزوروا القاعدة التي قُصفت، وأشاروا إلى اعتبارات نتنياهو السياسية الداخلية كسبب للعملية، بدلاً من تصويرها كجزء من منافسة إقليمية بين تركيا وإسرائيل. بعبارة أخرى، على عكس اسرائيل، خلقت أنقرة لنفسها مساحة من الإنكار لمنع التصعيد.
يذكرنا هذا السلوك بأن تركيا لا ترغب حاليًا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ويرتبط هذا الموقف بعدة عوامل، منها التحديات الجيوسياسية المتعددة المحيطة بتركيا، وإدراك إسرائيل لتفوقها الجوي على الجيش التركي. يخلق الاعتدال التركي فرصة ضئيلة للهدوء، ينبغي على إسرائيل استغلالها. كما ينبع هذا التوجه نحو الهدوء من رد الفعل الأمريكي على القصف في سوريا.
فقد كانت تصريحات ممثلي الإدارة الأمريكية بشأن ما حدث في سوريا أقرب إلى الرواية التركية منها إلى الرواية الإسرائيلية. هذا الواقع، في ظل العلاقات الممتازة بين ترامب وأردوغان، ينبغي أن يقلق إسرائيل، التي قد تجد نفسها معزولة في مواجهة تركيا، التي ستحظى بدعم واشنطن، على الأقل في الساحة السورية.
في ظل هذا الواقع الحساس، من المؤسف أن الحكومة الإسرائيلية فضّلت تضخيم الحادثة بدلاً من التقليل من شأنها. لا شك أن تركيا تُشكّل تحدياً استراتيجياً متنامياً يتعين على إسرائيل مواجهته. ربما كان القصف في شمال سوريا ضرورياً للحفاظ على المصالح الأمنية الإسرائيلية، كجزء من جهدٍ محمود لكبح جماح الوجود التركي في سوريا لا لاحتوائه. مع ذلك، كان ذلك القصف كافياً لتحقيق هدفه.
لا ريب أن الأتراك، حين رأوا الطائرات الإسرائيلية في سماء سوريا والركام في القاعدة السورية، فهموا الرسالة، وكان من الممكن إنهاء الحادثة عند هذه المرحلة. لكن كبار المسؤولين الإسرائيليين قرروا التأكيد مراراً وتكراراً على ما يجري، بما في ذلك مقابلة حادة لرئيس الوزراء وتغريدة لوزير الدفاع باللغة التركية، الأمر الذي زاد الطين بلة.
يصعب فصل هذا السلوك عن السياسة الإسرائيلية الداخلية. ففي بلد ينظر إلى أردوغان كعدو، ويستعد للانتخابات، ربما يطغى إغراء استغلال التوتر مع تركيا لإظهار القوة وحصد الأصوات على اعتبارات المصالح الاستراتيجية لإسرائيل.
مع ذلك، يتطلب التعامل مع التوتر المتزايد مع تركيا مناورة أكثر دقة بين الضروري وغير الضروري، لا سيما في الوقت الذي يسعى فيه أردوغان إلى تقديم نفسه للعالم كطرف مسؤول في الشرق الأوسط، وينجح في إقناع ترامب، من بين آخرين، بأن هذا هو الوضع. يجب منع تركيا من الاقتراب من إسرائيل وتهديدها.
لكن الوضع الذي تُصوَّر فيه تركيا كطرف معتدل في المنطقة، على حساب إسرائيل، يُعدّ خطيراً أيضاً. ولمنع هذا الوضع، والحفاظ على قدرة الجيش الإسرائيلي على العمل في سوريا، وعند الضرورة، ضد أنقرة أيضاً، يجب إبعاد تركيا عن الحملات الانتخابية للسياسيين الإسرائيليين.