ترجمة الهدهد

يتصاعد في الخطاب السياسي والإعلامي "الإسرائيلي" منذ أحداث 7 أكتوبر نمطٌ متكرر يفرض فرضيات وروايات رسمية من الأعلى لتستوعب كحقائق في الوعي الجمعي دون أدنى مساءلة نقدية.

بدءا من الوعود بـ "حسم" أعداء "الدولة" والقضاء عليهم، مروراً بالادعاء بنوايا مصر الهجومية، وصولاً إلى الترويج لمفهوم جديد يتمثل في تشكُّل "محور سني ناشئ" لتعبئة الشارع الداخلي. وتدّعي القيادة والمحللون في القدس أن هذا المحور يتشكل بقيادة تركيا ويضم قطر وسوريا وحماس، بل ويقرنون به باكستان والسعودية إثر اتفاقيتها الأخيرة مع أنقرة، زاعمين أن هذا التهديد يملأ الفراغ الناجم عن تراجع "محور المقاومة" بقيادة إيران، رغم أن الأخير صمد وبدأ يتعافى تدريجيا.

غير أن قراءة واقعية لتشكل الأسطورة تُفكك مفهوم هذا المحور؛ إذ يستلزم وجود أي "محور" عسكري وسياسي توافر رؤية وأهداف مشتركة بين أطرافه وتأطيراً رسميا من أربابه وتعاوناً ميدانياً وثيقاً، وهي عناصر غير متوافرة في هذا التشكيل المفترض.

ويعكس هذا الترويج فجوة جوهرية بين الواقع الفعلي والأوهام والشعارات الموجهة لـ "الجمهور الإسرائيلي"، والتي تُجسد تركيا كـ "تهديد استراتيجي جديد" وخصم لا مفر من مواجهته، مستغلة في ذلك حالة العداء الشعبي المبرر تجاه نظام "رجب طيب أردوغان" وتصويره كـ "حاكم عثماني جديد" يهدف لإبادة "إسرائيل"، مما يسهل إقناع المجتمع المصدوم مسبقاً دون الحاجة لاقتراح خطاب معقد يتضمن مراجعة الإخفاقات واستخلاص الدروس.

وتتجلى النتيجة الخطيرة لهذا الخطاب في ترسيخ "الحرب كحالة وجود دائمة" وبناء مجتمع مٌعبأ ومُطيع تتضخم فيه المخاوف الوجودية، مع تنميّة الارتياب تجاه العالم الخارجي وتكريس إيمان متطرف بالقدرة الفردية على فرض القرارات وإعادة رسم الحدود، بالاستناد إلى عقيدة "شعب سيعيش بمفرده".

ورغم أن النظام التركي يُعد خصماً لدوداً تستوجب تحركاته الميدانية - كالغارة الأخيرة في شمال سوريا - الحذر والإحباط، إلا أن الرأي العام مطالب بطرح أسئلة جوهرية حول مدى إمكانية تحييد التهديدات التركية عبر الحوار الدبلوماسي، خاصة وأن أنقرة عضو في حلف "الناتو" ورئيسها مقرب من "دونالد ترامب"، وعن جدوى فتح جبهة جديدة في حين لا تزال جبهات الصراع مع إيران وبرنامجها النووي قائمة ونشطة.

تثار شكوك مشروعة حول وجود دوافع سياسية وانتخابية خلف تحركات "المؤسسة السياسية"؛ حيث يُستغل الاقتراب من الاستحقاق الانتخابي لتصنيع أعداء جُدد وضمان إجماع داخلي عبر وصم أي نقد موضوعي بـ "ضعف الوطنية" أو "الهشاشة".

إن مواجهة واقع التهديدات وتحديد حجم التحدي التركي الفعلي يتطلبان حواراً داخلياً حاداً وشجاعاً يتجاوز الشعارات والمكاسب السياسية الضيقة، لترسيخ قراءة استراتيجية واقعية ومسؤولة للبيئة الإقليمية.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "د.ميخائيل ميلشتاين"، باحث أول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب."