ترجمة الهدهد

يكشف التوتر المتصاعد بين القيادة السياسية والعسكرية في كيان العدو عن أزمة عميقة وتنازع في صلاحيات اتخاذ القرار العسكري، تظهر جلياً في محطات مفصلية تُطرح فيها خيارات الحرب والعمليات الواسعة عشية الانتخابات لحسابات حتمية ومصالح حزبية ضيقة.

ففي سبتمبر 2019، وعقب إطلاق صواريخ من غزة أثناء زيارة رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" إلى اسدود المحتلة عشية الجولة الانتخابية الثانية، طالب "نتنياهو" جيش العدو بشن عملية واسعة في القطاع.

غير أن المطلب قوبل بمعارضة قاطعة من رئيس أركانه آنذاك "أفيف كوخافي" والمدعي العام "أفيخاي ماندلبليت"، اللذين أكدا أن قراراً بمثل هذه الخطورة قد يجر لـ "حرب واسعة النطاق" ويتطلب موافقة رسمية من "مجلس الوزراء".

وأوضح "كوخافي" لـ "نتنياهو" في مكالمة غاضبة أن اعتبارات التحرك يجب أن تأخذ بالحسبان شكوك الشارع في كونه لأسباب سياسية، مما أجبر "نتنياهو" على التراجع، ليُغتال لاحقاً القيادي في حركة "الجهاد الإسلامي" "بهاء أبو العطا" بعد شهرين من الانتخابات.

ولا تُعد هذه الواقعة استثناءً؛ ففي نوفمبر 2012 خلال حرب العصف المأكول، أعلن وزير خارجية العدو آنذاك "أفيغدور ليبرمان" صراحةً الامتناع عن شن عملية برية في غزة قبل شهرين من انتخابات "الكنيست"، مؤكداً أن هذا التوقيت يُفقد التحرك شرعيته الشعبية.

وتوضح هذه الحوادث التعقيد في توزيع السلطة؛ حيث ينص القانون على أن "الحكومة" أو "مجلس الوزراء السياسي الأمني" هما القائد الأعلى للجيش وليست رئاسة الوزراء منفردة، في ظل معادلة محددة تفرض على السلطة السياسية تحديد "ماذا" وعلى القوة العسكرية تحديد "كيف".

غير أن هذا التوازن شهد تدهوراً حاداً ليصبح المشهد الراهن الأكثر تعقيداً في تاريخ "إسرائيل"؛ إذ يتصاعد تقويض مكانة القيادة العسكرية وتزايد الاستفزازات من وزراء جيش العدو، وسط شكوك شعبية واسعة أظهرتها استطلاعات الرأي تؤكد أن تحركات رئيس وزراء العدو – من إيران إلى قطاع غزة – تُحركها دوافع سياسية وليست أمنية أو اقتصادية.

وأمام هذا التراجع، يواجه رئيس أركان جيش العدو "إيال زامير" وهيئة الأركان العامة للعدو اتهامات بعدم إظهار المسؤولية اللازمة وتمرير قرارات سياسية فاشلة؛ شملت مرحليات عملية "مركبات جدعون" في غزة، وفرض السيطرة على "القطاع الأمني" في لبنان الذي يمنع التسوية ويحاصر "الجيش" في سيناريو شبيه بوضع ما قبل عام 2000، فضلاً عن دعم التحركات تجاه إيران رغم معارضة كبار مسؤولي استخبارات "أمان"، ليبقى الشهران المقبلان الاختبار الحقيقي لمدى استقلالية القرار العسكري.

صحيفة "هآرتس"/ "عوفر شيلح"