حادثتان مروعتان تخرقان جدار اللامبالاة "الإسرائيلية"
ترجمة الهدهد
أثارت حادثتان روتينيتان للعنف الاستيطاني في الأيام الأخيرة صدمةً غير معتادة لدى الرأي العام في "إسرائيل"، الذي أظهر تاريخياً عدم مبالاة تجاه ما يُرتكب باسمه في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتجلى هذا التطور في توثيق مقطعي فيديو؛ أحدهما يُظهر فتى يبلغ من العمر 16 عاماً من مستوطنة "أبيجيل" وهو يضرب ظهر فلسطيني مبتور الساق بقضيب حديدي أثناء انحنائه لالتقاط عكازيه، بينما وثّق المقطع الثاني سرقة مستوطنين حماراً من مزارع فلسطيني وربطه بسيارة من طراز "رينجر" وجره حتى الموت.
ويرجع سبب اختراق هذين المقطعين جدار الصمت واللامبالاة إلى تجسيدهما للعجز التام؛ حيث يبدو التنمر والاستقواء في أشد صوره عندما يعجز الضحية عن الهرب أو المقاومة.
ومع ذلك، لا تُعدّ هذه الحالات استثنائية، بل تمثل أسلوب العمل الأساسي لإرهاب المستوطنين ومشروع الاستيطان برمته، إذ يقف في طرف "إسرائيليون" مسلحون مدعومون من "الجيش الإسرائيلي" و"الشرطة" و"الحكومة" والقضاء و"ميزانية الدولة"، وفي الطرف الآخر يقف فلسطينيون يُصنفون تلقائياً كـ"إرهابيين" يحل قتلهم إذا حاولوا الدفاع عن أنفسهم.
وفي محاولة للتنصل من المسؤولية، يلجأ "الشارع الإسرائيلي" والإعلام إلى تعديل الرواية لتناسب الصورة الذاتية التي يفضلونها.
وقد برز ذلك خلال برنامج "أفري وشاركي"، حيث عبّر المذيع "أفري جلعاد" عن فزعه من إساءة معاملة الحمار فقط بدعوى أن "الحمار ليس جزءاً من الصراع ولا يدعم حركة حماس"، في حين ذهب الكاتب "بيني تسيبر" - الموالي لرئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" - إلى تجريد الواقعة من سياقها السياسي بقوله إن "الأشرار موجودون في كل مكان ولا علاقة للمستوطنين بالأمر"، مما يعكس رغبة في تبرئة مشروع الاستيطان ككل.
وعلى عكس محاولات التجريد السياسي، تُنفذ هذه الجرائم بنود خطة عمل حركة الاستيطان القائمة على ترويع المجتمعات المحلية، والإضرار بسبل عيشها، وتهجيرها من أراضيها تحت حماية القانون وفوقه.
ورغم أن "السلطات الإسرائيلية" أعلنت مؤخراً توجيه لائحة اتهام ضد المستوطن "يديديا كوفمان" لدهسه قطيع أغنام وسيارة "رينجر"، واعتقال صبي مستوطنة "أبيجيل"، إلا أن هذه الإجراءات النادرة تبقى استثناءات تُؤكد القاعدة وتغطي على المنطق السادي للآلية برمتها.
وتتجلى الصلة الوثيقة بين الاعتداءات والسياسة الرسمية في أداة الجريمة المشتركة: مركبة "رينجر"، فهذه المركبة التي تُستخدم في ربط الحيوانات ودهس المواشي ومضايقة الفلسطينيين، هي ذاتها المركبات التي تفاخرت الوزيرة "أوريت ستراك" والوزير المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" بتوزيعها على البؤر الاستيطانية لتعزيز "السيطرة على الأرض" في الضفة الغربية، والتي تحولت عملياً إلى وسيلة للاستيلاء على المساحات ومضايقة كل كائن حي.
وتأتي موجة "الصدمة الإسرائيلية" الحالية كطقس تطهير متسرع يُعزل فيه حدثان مروعان لإدانتهما كاستثناء، بهدف إضفاء الشرعية على الروتين اليومي الذي ينتجهما؛ حيث يستمر التطهير العرقي في الضفة الغربية بتمويل رسمي، بينما يكتفي "المجتمع الإسرائيلي" بإقناع نفسه بأنه يمتلك مكارم الأخلاق لمجرد أنه لا يضرب الحمير.
المصدر: "صحيفة "هآرتس"/ "يوانا غونين"