كيف أصبحت سياسة الطرد المخطط العسكري والفكري لـ "إسرائيل"؟
ترجمة الهدهد
لم يعد النقاش الدائر اليوم حول قيام دولة فلسطينية أو البحث عن "حل سياسي" سوى ترف نظري منفصل عن الواقع. فالمسألة الحقيقية المطروحة على جدول الأعمال لا تتعلق بخيارات "الدولتين" أو "الاتحاد الفيدرالي"، بل بتهديد وجود الشعب الفلسطيني نفسه بين نهر الأردن والبحر.
إن موقف شخصيات مثل "غادي آيزنكوت" لم يعد يُعتد به في ظل صعود قوى يهودية لا تعرف حدوداً أو قيوداً، وتعمل جاهدة على "إخفاء" الفلسطينيين ومحوهم، وسط ضعف عارم في اليسار، ولامبالاة من المعارضة، وصمت دولي يكتفي بإدانات متقطعة لا تتعدى كونها رداً شكلياً على تغريدة للسفير الأمريكي.
إن الجذر الحقيقي للأزمة يكمن في تضليل قطاعات واسعة من الشارع اليهودي في "إسرائيل" للاعتقاد بأن المشكلة هي مجرد وجود شعب فلسطيني ذي جذور تاريخية وتراث أصيل على هذه الأرض.
ومن هنا، تحوّل "المحو" إلى حل كابوسي يُطرح يومياً عبر قوانين "الكنيست"، وتصريحات السياسيين، والكتب المدرسية، وأوامر "الجيش"، ضد قطاع غزة والضفة الغربية والنقب.
وتتكامل هذه المنظومة لجعل حياة الفلسطينيين بائسة للغاية حتى تُصبح الهجرة خياراً قهرياً يتغطى بعباءة "الإرادة الحرة"؛ حيث يُترك السلاح للمنظمات الإجرامية داخل "الخط الأخضر"، بينما يُطلق العنان للمستوطنين والميليشيات في الضفة الغربية تحت حماية "الجيش"، وتُنشأ الميليشيات ويسقط الأطفال بالصواريخ في غزة.
وعلى صعيد المعيشة، تواصل "السلطات الإسرائيلية" تقليص خيارات الحياة وتدميرها بشكل منظم؛ ففي غزة المحاصرة، خُنق مجتمع كامل وتلاشت مدخراته وذكرياته فوق أرض محروقة مع حظر رسمي لإعادة الإعمار.
وفي الضفة الغربية، تُحكم "وزارة المالية" قبضتها لنهب الموارد، بالتوازي مع الاقتحامات ونقاط التفتيش والرعاة الاستيطانيين لمنع زراعة الأرض.
أما داخل "إسرائيل"، فيستمر "تهويد الجليل والنقب" كمصطلح ملطف لسرقة الأراضي والتمييز الممنهج ضد الفلسطينيين في مخصصات البناء والعمل.
إن تضافر القوة العسكرية، والعبادة المطلقة للخدمة في "الجيش"، وأكاذيب الدعاية، مع التستر برد آلي جاهز: "لكن 7 أكتوبر"، قد شكل بنية تحتية مادية ونفسية داخل المجتمع اليهودي "الإسرائيلي" لتنفيذ عملية "طرد" وتهجير جماعي جديدة.
وتعتمد الكتائب المسلحة والمنظمات اليمينية على دعم مؤسسي وحشد واسع لإشعال حرب مقدسة جديدة تسعى باستمرار لاستثارة رد فعل فلسطيني، تحذيراً من الوصول إلى النتيجة التي يرفعونها جهاراً: أرض واحدة مُطهّرة بالكامل.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "عميرة هيس"