ترجمة الهدهد

كشف المحلل "عاموس هارئيل" تفاصيل تتصل بشرعنة سلطات العدو لعمل الميليشيات المسلحة داخل قطاع غزة لاستخدامها أداةً ميدانية.

وجاء هذا الكشف بعد نحو أسبوعين من تحقيق موسع نشرته صحيفة "هآرتس" حول الاستعانة بتلك الميليشيات؛ حيث نقل "هارئيل" شهادات لجنود في جيش العدو أقروا فيها بإرغامهم على مرافقة تلك العناصر في مهام ميدانية تخللتها جرائم حرب بحق المدنيين الفلسطينيين.

وفي السياق ذاته، كشف الكاتب عن تفاصيل عملية اختطاف القيادي في جهاز الأمن الداخلي التابع للمقاومة الفلسطينية بغزة "معين العربيد"؛ إذ أفادت مصادر ميدانية فلسطينية بضلوع عصابات من العملاء والمستعربين في المساعدة على اختطافه وتسليمه للعدو.

واندلع اشتباك مسلح أثناء العملية الإجرامية في ساعات الصباح أسفر عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة ثمانية آخرين، وأوضح "هارئيل" أن صعوبات ميدانية واجهت القوة المنفذة، ما اضطر جيش العدو لتكثيف غاراته الجوية لتأمين انسحاب العناصر المنفذة والميليشيا.

وعقب العملي، أصدرت مؤسسات العدو—بما فيها "جيش العدو" وجهاز "الشاباك" و"مكتب رئيس وزراءه"—بيانات متطابقة في محاولة للاستحواذ على التغطية الإعلامية، حيث ادعى "الشاباك" مشاركة "قوات خاصة" تابعة له في اقتحام المبنى.

ونقل "هارئيل" عن مصادر عسكرية لـ "هآرتس" زعمها غياب القوات العسكرية المباشرة في موقع الحادث، مشيراً إلى أن العدو يتردد في دفع قواته الخاصة داخل مناطق القطاع المعقدة منذ الفشل الذريع لعميلته المسماة "خان يونس" في نوفمبر 2018، حين تصدت المقاومة للقوة المتسللة وقتلت الضابط المقدم "محمود نور الدين".

ويرى "هارئيل" أن واقع العدوان القائم وسيطرة جيش العدو على مساحات من القطاع يمنحان قيادته هامش حركة أكبر، إلا أن اليقظة الشعبية والتلاحم المجتمعي في المناطق الخاضعة للمقاومة يمنعان تسلل وحدات جيش العدو المتخفية، ما يفسر لجوء العدو لتجنيد ميليشيات عميلة تنشط في مدينة "غزة".

واضطر العديد من عناصر هذه الجماعات وعائلاتهم للفرار نحو المناطق المقتطعة شرق ما يُسمى "الخط الأصفر" تحت حماية جيش العدو، خوفاً من الملاحقة والقصاص العادل.

وبحسب قراءة "هارئيل"، فإن أجهزة المقاومة الأمنية تُركز على تعقب أجهزة استخبارات العدو ونشاط "الشاباك"، وكان "العربيد" متولياً ملف ملاحقة شبكات التجسس والعملاء.

 لذلك يولي العدو أهمية للتحقيق معه لمحاولة معرفة مدى انكشاف شبكة جواسيسه، خاصة بعد إخفاقات 7 أكتوبر حين تبين ضعف مصادره الاستخباراتية البشرية بالقطاع، وتتخذ المقاومة الفلسطينية حالياً تدابير أمنية مكثفة لاحتواء الآثار الاستخباراتية المحتملة للعملية.

ويربط المحلل العسكري بين هذه العملية وسلسلة الاغتيالات والغارات التي تستهدف الكوادر والمقاومين، وكان منها اغتيال القائد "عز الدين الحداد" في مايو الماضي عبر عمل مشترك بين جيش العدو و"الشاباك".

ويرى الكاتب أنه رغم فقدان بعض القادة وتولّي عناصر أخرى زمام الأمور، فإن المقاومة الفلسطينية تتكيف ميدانياً ولا تزال تتمسك بإدارة القطاع وتفشيل المخططات السياسية، في ظل تعثر ما يُعرف بـ "مشروع النقاط الخمس عشرة" التابع لـ "مجلس السلام الدولي" والمطروح بطلب من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

وفي ظل الجمود السياسي الحالي وتجاهل "ترامب"، يستبعد "هارئيل" حدوث تغييرات سياسية قبل "الانتخابات الإسرائيلية" المرتقبة نهاية أكتوبر.

تخبط داخلي وتفكك الانضباط

وفي جانب آخر تطرق "هارئيل" إلى ظواهر التفكك والانفلات داخل جيش العدو، مشيراً إلى عاصفة سياسية وأزمة انضباط شهدها "لواء جفعاتي" (تحديداً جنود مدرسة "هسدر" اليهودية).

فقد رفض 16 جندياً تنفيذ أمر عملياتي بالخروج في دورية داخل مدرعة من طراز "نمر" لرفضهم التواجد مع جندية تعمل مسعفة. وتجاهل الجنود أوامر قائد السرية وتوجيهات قيادة اللواء، وفضلوا الاستماع لتعليمات حاخامات متطرفين من خارج المؤسسة العسكرية، ما أدى لحبسهم تأديبياً.

ولفت الكاتب إلى أن هذه الحادثة فتحت سجالاً بين الحاخامات وسياسيي التيار "القومي الحريدي" المتطرف الذين شنوا هجوماً على الجيش ودافعوا عن تمرد الجنود، حيث نظم حزب "ناعوم" المتطرف مظاهرة أمام السجن العسكري.

وينوه "هارئيل" إلى تناقض مواقف هذا التيار الذي يسارع لاتهام حركات "الاحتجاج الإسرائيلية" مثل "إخوان السلاح" بالخيانة لرفضهم الخدمة الاحتياطية، بينما يشرعن التمرد الداخلي لجنوده ويدعم قوانين التهرب من الخدمة العسكرية لشباب "الحريديم".

ويختتم "هارئيل" تحليله بالإشارة إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على تعطيل المهام العسكرية وإبراز ازدواجية المعايير، بل يُعد إهانة للكوادر الطبية وللمسعفات في جيش العدو اللواتي شاركن في العمليات الحربية؛ حيث استذكر مقتل مسعفة وضابط ومقاتلين من "لواء جفعاتي" بانفجار عبوة ناسفة أعدتها المقاومة في مبنى بمنطقة "رفح" في سبتمبر/أيلول 2024، معتبراً أن تشجيع التمرد لاعتبارات متطرفة يمثل تجاهلاً صريحاً للدروس الميدانية والمخاطر الشديدة التي يواجهها جيش العدو في غزة.