كيف غابت محاكمة "نتنياهو" عن جدول أعمال الرأي العام؟
ترجمة الهدهد
تشهد الانتخابات المقبلة لـ "الكنيست" الـ 26 حالة غير مسبوقة من التجاهل الشعبي والسياسي لمحاكمة رئيس وزراء العدو الحالي "بنيامين نتنياهو" الجارية بتهم فساد خطيرة، وهو ما يُعد مؤشراً على تطبيع الفساد وانتصاره في المشهد السياسي؛ إذ يُقاس نجاح الديمقراطية بمدى استعدادها لوضع معايير سلوكية لمن يسعون للحكم، ولكن عندما تصبح محاكمة جنائية ضد رئيس وزراء في منصبه مجرد تفصيل هامشي وغير ذي أهمية في حسابات الرأي العام عند الإدلاء بأصواتهم، يمكن القول إن الفساد قد أصبح أمراً عادياً، وإن الفاسدين قد انتصروا بالفعل.
ويأتي هذا التجاهل على الرغم من وجود العديد من القضايا المهمة التي ستحدد نتائج الانتخابات المرتقبة، ومن أبرزها مسؤولية الحكومة عن أحداث "7 أكتوبر"، وتجنبها تشكيل لجنة تحقيق حكومية، واستمرار تقنين تهرب "الحريديم" من الخدمة العسكرية، والحرب ضد حماس "إيران وحزب الله، والموقف من النظام القضائي، وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، فضلاً عن قضية غلاء المعيشة في بعض الأحيان؛ إلا أن ثمة قضية جوهرية وهامة تتجاهلها الحملة الانتخابية تماماً وكأنها غير موجودة، وهي أن رئيس الوزراء الحالي يطلب مراراً وتكراراً ثقة الشعب في صناديق الاقتراع بينما يُتهم بجرائم فساد خطيرة.
وفي بلد متحضّر، كان مفترضاً أن تكون محاكمة "نتنياهو" — التي تكشف علاقاته مع رجال الأعمال البارزين "أرنون ميلشان" و"شاؤول إيلوفيتش" و"أرنون (نوني) موزيس" — هي محور النقاش العام حتى في هذه الحملة الانتخابية، إلا أنها لم تكن حتى مجرد ضجيج في الخلفية.
وقد نجح رئيس وزراء العدو المتهم في مهمته بفضل ثلاثة قضاة يتهربون من إدارة المحاكمة بفعالية، ليتحول أهم حدث قانوني شهدته البلاد في العقد الماضي إلى حدث ثانوي ممل يدوم إلى الأبد لا يأخذه أحد في الحسبان.
وعشية الانتخابات، يجدر التنويه إلى أن "نتنياهو" لا يزال متهماً بجرائم خطيرة تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في "القضية رقم 4000"، وبالاحتيال وخيانة الأمانة في "القضيتين رقم 1000 و2000".
وعلى الرغم من أن القضاة أوضحوا اعتقادهم بأن تهمة الرشوة في "القضية رقم 4000" لم تثبت، إلا أنهم لم يتطرقوا إلى تهمة خيانة الأمانة، حيث يؤكد معظم الخبراء القانونيين أنه إذا انتهت المحاكمة دون عفو متسرع أو صفقة إقرار بالذنب، فسيُدان "نتنياهو" بتهمة الاحتيال وخيانة الأمانة، وهي جريمة خطيرة سبق أن سُجن بسببها مسؤولون منتخبون.
وبغض النظر عن التهم أو النتيجة النهائية، فقد كشفت المحاكمة على المستوى العام عن سلوك فاسد لرئيس الوزراء، مظهرةً كيف دأب رجل الأعمال "ميلشان" على مر السنين على تزويد "نتنياهو" وعائلته بالخمور والسيجار الفاخر بتكلفة بلغت آلاف الشواقل في كل مرة، وأن نقل "ميلشان" للسيجار والكحول والمجوهرات كان بناءً على طلب "نتنياهو" وزوجته وليس بمبادرة منه، بينما كان "نتنياهو" يتصرف في الوقت نفسه بما يخدم مصالح "ميلشان".
كما أظهرت الإجراءات القضائية كيف استغلت عائلة "نتنياهو" نفوذها للتأثير على التغطية الإعلامية لموقع "والا" التابع لـ "إيلوفيتش" لصالحها، في الوقت الذي كان فيه "نتنياهو"، بصفته وزيراً للاتصالات، يُدير شؤون شركة "بيزك" للاتصالات المملوكة لـ "إيلوفيتش".
إضافة إلى ذلك، لا يزال الجميع يتذكرون اجتماعات "نتنياهو" السرية مع "موزيس"، ناشر صحيفة "يديعوت أحرونوت"، والتي نوقشت أهميتها في المحاكمة استناداً إلى التسجيلات التي نُشرت آنذاك، ولكن يبدو أن الأمر لم يعد يهم أحداً.
وينطبق هذا التجاهل نفسه على "قضية الغواصة"، إذ لا تزال الإجراءات ضد "نتنياهو" مستمرة في هذا الملف أيضاً، بل إن اللجنة أوضحت أنه أضرّ بأمن الدولة وعلاقاتها الخارجية، ومع ذلك، لم تُطرح هذه القضية على جدول أعمال الانتخابات إطلاقاً.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "حين معنيت"