كيف ولدت حملة "بنيامين نتنياهو" الانتخابية عبر مؤامرة "تمرد الجنرالات"؟
ترجمة الهدهد
تستند الحملة الانتخابية لـ "بنيامين نتنياهو" لعام 2026 بشكل محوري على نظرية مؤامرة يُطلق عليها "تمرد الجنرالات"، والتي صاغها "إيريز تادمور"، أحد أقرب المنظرين إلى "بنيامين نتنياهو"، في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه.
يزعم "إيريز تادمور" في كتابه أن تمرد الجنرالات ليلة 7 أكتوبر لم يأتِ من فراغ، بل كان تتويجاً لعرف مناهض للديمقراطية ترسخ في المؤسسة الأمنية على مدى عقود.
ووفقاً لـ "إيريز تادمور"، فإن التمرد لم ينبع من فشل عملياتي خطير فحسب، بل من فشل ديمقراطي أيضاً؛ حيث تضافرت الهزيمة الواعية مع التخريب السياسي لجر الجميع إلى هاوية الكارثة.
ويكشف الكتاب عن رؤية "بنيامين نتنياهو" للعالم والدائرة المغلقة التي يفسر من خلالها الواقع، حيث تبرز اتهامات "إيريز تادمور" ونظرية المؤامرة من خلال سلسلة المقابلات التي يجريها "بنيامين نتنياهو" قبيل انتخابات عام 2026، وذلك بحسب تحليل أعدته "غيل تالشير"، الباحثة في قسم العلوم السياسية بـ "الجامعة العبرية"، ونشرته صحيفة "هآرتس".
ويربط "إيريز تادمور" أحداث 7 أكتوبر بـ "تمرد ثلاثي" لإزاحة "بنيامين نتنياهو" من السلطة؛ أولها "احتجاج كابلان" والذي أطلق عليه الكتاب اسم "ثورة الرفض".
وأدى هذا الاحتجاج إلى تهديد بحل الجيش مما تسبب في هجوم حركة "حماس"، ويقول "إيريز تادمور" في فصل بعنوان "عندما لا تستطيع الفوز، تغير قواعد اللعبة"، إن سبب تحويل الاحتجاج إلى تمرد هو قلق وجودي حقيقي من أن الحكومة اليمينية ستغير ميزان القوى بين مراكز السلطة المنتخبة وغير المنتخبة.
وتشكل ثورة الرفض تهديداً من العسكريين لحكومة منتخبة ديمقراطياً ولأمن الدولة، ومن هنا جاءت نظرية الخيانة من الداخل وأن المتظاهرين أعدوا للثورة وأنكروا نتائج الانتخابات وقادوا انقلاباً عسكرياً، مما دفع يحيى السنوار وحسن نصر الله لادراك هذه الثغرة والهجوم.
وتلك هي الرسالة التي يكررها "ألموغ كوهين" مساعد "بنيامين نتنياهو" بقوله عبر "راديو 103 إف إم" في 2 سبتمبر: "من الواضح لأي شخص عاقل أن العصيان هو ما أدى إلى كارثة 7 أكتوبر، بلا أدنى شك".
أما الركيزة الثانية للتمرد فهي "تمرد الجنرالات الانهزاميين"، وهم شاغلو المناصب والـ "عبرانيون" في الاستوديوهات، الذين خصص لهم فصل بعنوان "الجنرالات مصممون على خسارة الحرب". واكتفى هؤلاء باحتواء العدو بدلاً من النهج الهجومي، ولم يحذروا "بنيامين نتنياهو" خوفاً من "خطأ في التقدير" يجر حماس وحزب الله وإيران لحرب.
وكان رؤساء الأجهزة شركاء "إخوة السلاح"؛ حيث ينقل "إيريز تادمور" عن رئيس الأركان "هرتسي هاليفي" قوله لـ "وزير الجيش" إن الخط الأحمر للجيش هو أزمة دستورية تبطل فيها المحكمة العليا قوانين "الكنيست" فلا يعرف "الجيش" من يطيع.
ووفق "إيريز تادمور"، فإن هذا الإثبات يعني أن "إسرائيل" كانت جيشاً يمتلك دولة، وأن "بنيامين نتنياهو" هو من يحولها لدولة تمتلك جيشاً عبر استبدال القيادة العليا بموالين له، كما يطال هذا التمرد جهاز الأمن العام "الشاباك"، الذي يتهمه الكتاب بتحضير انقلاب عسكري بدلاً من حماية الديمقراطية، مما يتطلب تغييره والسيطرة عليه، وهو الدور الأسند لـ "ديفيد زيني" المسؤول عن مكافحة التخريب الداخلي، رغم شهادة ثلاثة من رؤساء "الشاباك" سابقاً بأن "بنيامين نتنياهو" طلب منهم مراقبة خصومه السياسيين.
وتكتمل أركان هذا التمرد بالجانب الثالث والرئيسي وهو "تمرد حراس البوابة"، وهم الذين يسيطرون على قوات الأمن و"مؤسسات الدولة" بقيادة "أهارون باراك" و"غالي بهاراف مايارا"، في إطار "دولة في حالة تمرد".
وتحت فصل بعنوان "الديمقراطية هي أنا"، يبدأ التحليل باقتباس لـ "أهارون باراك": "في الانتخابات القادمة، سنعرف ما إذا كان الشعب يريد الديمقراطية"، وهو ما فسره "إيريز تادمور" بأنه يعني إذا فاز "بنيامين نتنياهو" فإن الشعب لا يريد الديمقراطية.
وتعود جذور هذا الانقلاب السياسي والقضائي إلى صباح الرابع من يناير 2023، عندما استيقظ "الإسرائيليين" على انقلاب مقنع جعل محور أجندة الحكومة تحويلها لسلطة عليا مطلقة، وقبل الانتخابات بأسابيع، كانت قنوات "بنيامين نتنياهو" - وعلى رأسها "القناة 14" وقناة "غيل إسرائيل" - تسأل كل عضو "كنيست" عن المحكمة العليا والمدعي العام ومكتب النائب العام، وكانت الإجابات تدور حول سحق المحكمة العليا وإنهاء الديكتاتورية القضائية.
يُعد إلغاء استقلال القضاء البند الأول في "البروتوكول المجري" الذي يجسد صعود الشعبوية في الديمقراطيات، أما الاستيلاء على الأجهزة الأمنية وإخضاعها للزعيم فهو البند العاشر والأخير، وقد بدأت الحكومة بتنفيذه لتقويض الديمقراطية الليبرالية وإقامة الاستبداد، وهو ما يشير إليه برنامج "القانون والعدالة 2" الذي أطلقه "بتسلئيل سموتريتش" و"سيمحا روثمان"، وتصريحات "ياريف ليفين".
ويعتمد الحزب الشعبوي الحاكم للفوز بالانتخابات على خلق هوية سياسية وترديد نظرية مؤامرة؛ ففي عام 2010 أرسل "بنيامين نتنياهو" إلى "فيكتور أوربان" في "المجر" مساعده السياسي اليهودي "آرثر فينكلشتاين"، الذي أطلق حملة تآمرية مفادها أن الملياردير اليهودي "جورج سوروس" يغرق "المجر" بالمهاجرين عبر منظمات حقوق الإنسان لتتوقف عن كونها دولة مسيحية. فلا وجود للحقيقة المطلقة بل لسردية قوية تصنع الواقع، وتعد اتهامات "تمرد الجنرالات" القصة المحورية لـ "بنيامين نتنياهو" في انتخابات 2026.
وقد ظهرت هذه المؤامرة بأشكال مختلفة على قنوات "بي بي سي" بشكل متكرر منذ 7 أكتوبر، وتم تحويلها إلى مسلسلات وثائقية على "القناة 14" مثل ("خطيئة الرفض"، "ثورة الجنرالات"، و"ثورة المحامين").
وفي فيلم "ثورة الفقهاء" على "القناة 14"، يظهر "أهارون باراك" مدعياً أن أحكامه لم تقيد يد الجيش، لكن ضيف المقابلة وزير العدل "ياريف ليفين" يصرح بأن الفقهاء ألمحوا للقادة بضرورة تغيير القواعد، مكرراً أن الخطر يكمن في أن الطيارين والدبابات ورئيس الأركان ورئيس "الشاباك" مع "أهارون باراك"، ومحتجاً بأنهم ليسوا ديمقراطيين بل دكتاتوريون.
كما تُعاد صياغة هذه الحجج عبر قنوات "يائير نتنياهو" على تطبيق "تيليجرام"، وفي خطابات "تالي غوتليب" و"ألموغ كوهين"، وفي البودكاست، حيث يصدق 40% من الجمهور قصة الخيانة من الداخل وفق استطلاع رأي أجرته "القناة 13" ومؤسسة "المراسل المزيف" في 22 أغسطس.
وفيما يتهم كتاب "إيريز تادمور" القاضي "أهارون باراك" كزعيم، اتهمت زوجة "بنيامين نتنياهو" السياسي "يائير غولان" ضمنياً بأنه جزء من الخيانة الداخلية لكون حزبه واجهة لاحتجاجات "كابلان" و"إخوة السلاح".
ونفى "بنيامين نتنياهو" نفسه وجود خيانة قائلاً إن ما فرض الأمر هو الفشل والفكرة، بينما تستغل حملته الاتهامات ضد "غادي آيزنكوت"، قائد ثورة الجنرالات والمنافس الرئيسي له، وتزعم عبر قنوات "بي بي سي" أنه سيعين "يائير غولان" وزيراً للجيش لنزع الشرعية عنهما.
كما تلعب نظرية المؤامرة دوراً في قلب الجدل حول هوية الخونة الحقيقيين لأمن "إسرائيل"؛ فقد كان "بنيامين نتنياهو" هو من روج لمفهوم "حماس مكسب"، وأمر باستمرار تحويل الأموال القطريين إلى "غزة" رغم إثبات المؤسسة الأمنية أنها تمول البنية التحتية، وتلقى مسؤولون في مكتبه أموالاً قطرية بهدف توجيه الحرب.
ورغم ذلك قال "بنيامين نتنياهو" في مقابلته مع "نيفيه درومي" في برنامج "الحكومة السادسة" على قناة "i24" بتاريخ 4 سبتمبر عن "قطر": "الأمر غير مهم". وحين قال "نيفيه درومي" لـ "بنيامين نتنياهو": "لقد استولوا على مكتبي"، رد "بنيامين نتنياهو" بأن المشكلة ليست في تمويل "قطر" بل في سيطرة "اليسار" و"حزب العمال" على مكتب المدعي العام والمشورة القانونية، مستخدماً المؤامرة لإخفاء التورط وحماية مستشاريه في المكتب.
ويخلص التحليل إلى كيفية تعامل المعسكر الليبرالي مع هذا الوضع؛ حيث يفند "غادي آيزنكوت" و"يائير غولان" أفعال "بنيامين نتنياهو"، إلا أن الانتخابات لا تحسم بالحجج المؤيدة للحقيقة فحسب، بل بتقديم رواية بديلة عن "إسرائيل" ديمقراطية وليبرالية ترسي دستورياً قيم "إعلان الاستقلال" وترسم أفقاً إيجابياً، في مواجهة الرواية المضطهدة والمظلمة والمستبدة والمعزولة التي رسمها حكم "بنيامين نتنياهو".
المصدر: صحيفة "هآرتس" / "غيل تالشير"، باحثة في قسم العلوم السياسية بالجامعة العبرية