ترجمة الهدهد

تحول فيلم "أضرار جانبية" (نازا)، للمخرجين "يوفال أبراهام" و"راشيل شور"، إلى حدث سياسي حاد ومركز سجال في الحملة الانتخابية قبل أن يتاح لـ "الجمهور الإسرائيلي" مشاهدته.

ورغم أن معظم السياسيين والمسؤولين الذين هاجموا الفيلم لم يطلعوا على نسخته الكاملة، إلا أن ردود الفعل السريعة الصادرة عن جيش العدو والأحزاب السياسية نقلت الفيلم فوراً من أروقة مهرجان "البندقية" السينمائي إلى قلب الصراع الانتخابي بين "بنيامين نتنياهو" وخصومه في تكتلات الوسط واليسار.

بدأت الأزمة عقب فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان "البندقية" السينمائي الدولي، وما تلاه من خطابات ألقاها صناع العمل، ويستند الفيلم إلى شهادات أدلى بها 24 جندياً وضابطاً من جيش العدو، يكشف آليات صنع القرار الداخلي التي أدت لسقوط أعداد كبيرة من المدنيين في غزة.

وقد اكتسبت هذه الاتهامات وزناً استثنائياً في المحافل الدولية لكونها صادرة من عسكريين من داخل جيش العدو، ما أثار ردود فعل غاضبة ومؤسسية داخل "إسرائيل"، حيث سارع جيش العدو لنفي الاخبار المتعلقة بالتخطيط لهجمات تسفر عن قتل مئات المدنيين أو الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، طالباً الحصول على النسخة الكاملة للتحقيق في الادعاءات.

استراتيجية "الليكود" وربط الخصوم بـ "الديمقراطيين"

سارع حزب "الليكود" برئاسة "بنيامين نتنياهو" إلى استغلال الفيلم لفرض أجندته الانتخابية وتوسيع قاعدة النقاش السياسي، حيث عمل على ربط القضية بكل من "يائير غولان" وحزب "الديمقراطيون" و"غادي آيزنكوت".

وطالب "الليكود" بإلغاء اتفاقية فائض الأصوات بين "غادي آيزنكوت" و"الديمقراطيين"، بهدف إحراج مرشحي الوسط والتشكيك في شرعية أي ائتلاف مستقبلي قد يشكله الوسط مع حزب يضم قيادات متهمة بالانحراف عن الإجماع حول جيش العدو والقضايا الأمنية.

وتجلت الخطورة السياسية في التراجع السريع للنائبة "غابي لاسكي" من حزب "الديمقراطيين"، والتي كتبت تغريدة تؤكد فيها على عدم إسكات الأسئلة الأخلاقية وحرية التعبير قبل أن تحذفها خلال ساعات بعد استيعاب حجم الخطر الانتخابي، مما عكس تحول أولوية الأحزاب إلى موقع الدفاع والتراجع أمام الأجندة التي يفرضها "الليكود".

مواقف المعارضة: إدانات ومحاولات للتنصل

وجد قادة المعارضة أنفسهم في موقف يحتم عليهم تقديم إيضاحات متكررة؛ حيث سارع "غادي آيزنكوت"، بصفته رئيس أركان جيش العدو سابقاً، إلى إدانة صناع الفيلم واتهامهم بتقديم صورة مشوهة ومنحازة تُسيء لمقاتلي جيش العدو، منعاً لاستغلال القضية ضده كمرشح لقيادة الكيان.

كما شنّ "أفيغدور ليبرمان" هجوماً حاداً على الفيلم، وانضم إليه "نفتالي بينيت" في إدانة العمل والمطالبة برفضه.

ورغم أن إدانة الفيلم جاءت من طيف سياسي واسع يتجاوز "الليكود"، إلا أن ذلك وضع حزب "الديمقراطيين" في مأزق مزدوج؛ إذ إن إدانة المبدعين قد تغضب الناخبين المتمسكين بحرية التعبير، في حين أن الدفاع عنهم يفتح الباب أمام استغلال تصريحاتهم في المواد الدعاية المضادة للخصوم.

أدت ردود الفعل الحادة في الداخل، والتي شملت استفسارات من جهاز الأمن العام "الشاباك" ومطالبات بسحب الجنسية والتخوين، إلى نتائج عكسية على الصعيد الدولي. فبينما يُقرأ الرد القاسي محلياً على أنه دفاع عن "الجيش الإسرائيلي" ضد المشككين، يُ فسر في الخارج على أنه محاولة رسمية من الدولة لإسكات الفن وقمع النقد، مما ضاعف الاهتمام الإعلامي بالفيلم وتداعياته.

وفي غضون هذا السجال السياسي والمناورات الانتخابية، غاب النقاش الموضوعي حول مضمون الشهادات الـ 24 التي قدمها الضباط و"الجنود الإسرائيليون"، والتحقق مما تم حذفه في المونتاج أو السياق العملياتي المفقود.

ويبقى فيلم "أضرار جانبية" مادة دسمة لحزب "الليكود" لجر خصومه إلى ساحة سجال مريحة له، في انتظار عرضه المباشر على "الجمهور الإسرائيلي".

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "آنا بارسكي"