ترجمة الهدهد

أكد الباحث "يارون فريدمان" أن ما حدث في سوريا خلال عامين من حكم أحمد الشرع ليس إلا نسخة طبق الأصل ومستنسخة بالكامل من مؤسسات وهياكل "إدلب" اقتُلعت ونُقلت مع موظفيها إلى دمشق، لتشكل ديكتاتورية من نوع جديد تتظاهر بالديمقراطية وتعتمد على الشكليات.

وأوضح "فريدمان" أن الإدارة الجديدة لا تُظهر أي بوادر لفصل السلطات؛ حيث عملت حكومة الإنقاذ بكامل الصلاحيات برئاسة أحمد الشرع - المعروف سابقاً باسم "أبو محمد الجولاني" - تحت رعاية تركية وبسيطرة هيئة تحرير الشام (المعروفة سابقاً باسم "جبهة النصرة") خلال السنوات السبع التي سبقت سقوط نظام بشار الأسد (بين نوفمبر 2017 وديسمبر 2024)، وفتحت وزارات ومحاكم وجامعة ومجلس شورى وهيئة رقابة، وعند انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 تم نسخ تلك الحكومة الجاهزة بموظفيها وعلاقاتها مع أنقرة، وصولاً إلى توقيع مذكرة تفاهم في أغسطس 2025 لتدريب وتجهيز الجيش السوري الجديد.

وعلى صعيد السلطة التنفيذية والتشريعية والإطار الدستوري، أوضح "فريدمان" أن الإعلان الدستوري المعتمد في 13 مارس 2025 عرّف "سوريا" كجمهورية رئاسية يكون فيها الرئيس هو رئيس الوزراء (أي عدم وجود رئيس وزراء مستقل)، وهو من يعين الوزراء وثلث أعضاء البرلمان وجميع قضاة المحكمة الدستورية السبعة دون أي عملية ديمقراطية.

وقد شُكّلت أول حكومة لـ أحمد الشرع في دمشق في 29 مارس 2025، وثم شُكّلت السلطتان التشريعية والقضائية بعد نحو عام ونصف؛ حيث تضم الحكومة 9 وزراء على الأقل من أعضاء التنظيم أو "حكومة الإنقاذ"، بما في ذلك المناصب الرئيسية: وزير الداخلية "أنس خطاب" (النائب السابق عن "هيئة تحرير الشام")، ووزير الدفاع "مراف أبو كسرة" (العضو البارز في التنظيم)، ووزير الخارجية "أسد الشيباني" (أحد مؤسسيه)، ووزير العدل "مضر الويس" (شغل المنصب ذاته في إدلب)، بالإضافة لوزراء الطاقة والإسكان والرياضة والتنمية الإدارية، ليرتفع تمثيل "إدلب" من وزيرين أو ثلاثة إلى أربعة، مقابل انخفاض تمثيل "دمشق" من تسعة إلى خمسة.

أما البرلمان، فقد انعقد "مجلس الشعب" في 12 يوليو 2026 محتوياً على 210 مقاعد يُعيّن الرئيس 70 منها مباشرة، فيما شغل منصب النائب الأول لرئيس المجلس "مصطفى الموسى"، الذي كان يترأس "مجلس الشورى العام" لـ "حكومة الإنقاذ" حتى 10 ديسمبر الأول 2024 (بعد يومين من سقوط الأسد).

وفيما يتعلق بالقضاء والجيش والتعيينات الدينية، أشار الكاتب إلى تعيين 7 أعضاء في المحكمة الدستورية العليا في 7 يوليو 2026 بموجب المرسوم رقم 149 برئاسة الدكتور "عصام الخليف"، الذي تعكس سيرته الآلية المتبعة؛ إذ انشق عن النظام عام 2013، وانضم لكلية الشريعة والقانون بـ "جامعة إدلب" عام 2015 وحصل منها على الدكتوراه عام 2023، وشغل بالتوازي منصب الأمين العام لـ "حكومة الإنقاذ" منذ 2018، ورئيس لجنتها المركزية للقوانين (2022-2024)، ورئيس اللجنة العليا للانتخابات بـ "مجلس الشورى"، ليصبح الشخص الذي أدار تشريعات إدلب هو نفسه رئيس المحكمة المعنية بمراجعة دستورية القوانين السورية.

وعسكرياً، دُمج نحو 130 فصيلاً معارضاً في 25 فرقة، واعتبرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية أن الفصائل حصلت على أسماء جديدة دون فقدان هيكلها وشبكات نفوذها وولائها لقادتها بجمعها تحت مظلة واحدة، وأُعيد تنظيم الجيش إلى نظام الفيالق في يونيو 2026، واستُبدل القادة في أغسطس مع اعتراف دمشق بتعدد مراكز القوة ومِنح التعيينات والقيادات العليا لقادة "هيئة تحرير الشام".

وفي الشؤون الدينية، تعين المفتي "أسامة الرفاعي" (من علماء دمشق الأشعريين الصوفيين المخضرمين الذي هاجم سابقاً "داعش" و"القاعدة" ورفض لقاء الشرع لسنوات)، وأظهرت وثائق أن العلاقة أُعيدت بعد إبلاغ "أحمد الشرع" له بتخليه عن الوهابية (الأصولية السعودية)، وجاء تعيينه لشرعنة السلطة سنياً بعد يوم واحد من الاعتقال المهين لسلفه "بدر الدين حسون" المؤيد لنظام الأسد.

وحول التسويق الإعلامي وإقصاء المكونات الأساسية، بيّن التحليل أن حكومة أحمد الشرع تحاول تقديم نموذج ديمقراطي قائم على المساواة بإشراك نساء وأفراد من الأقليات (وزير مسيحي، ووزير علوي، ووزير درزي، وقاضيان بالمحكمة الدستورية، ونائب رئيس البرلمان عن منطقة "الملاطقية")، غير أنها مناصب خدمية لا تُتخذ فيها القرارات كالنقل والزراعة والنواب، بينما تستأثر القيادات القادمة من "إدلب" بالمناصب القرارية.

وفي المقابل، غاب المكونان الأساسيان الممتلكان لقواعد إقليمية وسلاح؛ حيث ظلت مقاعد "السويداء" الثلاثة شاغرة في البرلمان لعدم إمكانية إجراء الانتخابات فيها، وأُجّلت الانتخابات في المناطق الكردية ("الرقة"، "الحسكة"، "عين العرب") من أكتوبر 2025 إلى ما بين مارس ومايو 2026 ودخل ممثلوهم متأخرين 7 أشهر بعد استقرار النظام، فيما لم يحصل العلويون بالساحل إلا على تمثيل رمزي بعد الخسائر الفادحة التي تكبدوها.

واختتم "فريدمان" بالبعد المتعلق بكيان العدو، موضحاً وجود آلية تنسيق بين "إسرائيل" ودمشق بوساطة أمريكية منذ يناير 2026، مع إعلان "أحمد الشرع" في يوليو سعيه لاتفاق أمني، إلا أن وزير الخارجية "أسد الشيباني" أكد في أغسطس أن "سوريا" لن تحد من بناء قواتها العسكرية أو تتخلى عن الدعم التركي، وهو تحديداً نوع الجيش الذي يسعى كيان العدو للحد منه.

وفي الشهر نفسه (أغسطس 2026)، هاجمت طائرات جيش العدو قاعدة أبو الظهور في شرق إدلب بناءً على معلومات استخباراتية تفيد بسعي تركي" لنشر قوات هناك ومن سوريا، وهي القاعدة نفسها التي سيطرت عليها "جبهة النصرة" بقيادة "أبو محمد الجولاني" في سبتمبر 2015، مما يعكس تكرار المكان والأشخاص ذاتهم مع تغيير في الوضع القانوني فقط.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ د."يارون فريدمان"، باحث ومدرس للغة العربية في قسم دراسات الشرق الأوسط والإسلامية بجامعة حيفا، ومؤلف كتابي "العلويون في سوريا: الدين والتاريخ والهوية" و"الشيعة في فلسطين".