ترجمة الهدهد

إن التصعيد الحاد الأخير بين السعودية والحوثيين يثير مخاوف دبلوماسية واسعة من اتساع رقعة الصراع الإقليمي وتمدده، وسط تساؤلات حول إمكانية كبح الأزمة أو استمرارها بالصعود، واحتمال أن يُعاود الحوثيون لمهاجمة "إسرائيل" مباشرة كما فعلوا العام الماضي.

وتزامن هذا التصعيد مع إقدام وزارة الخارجية الأمريكية على تحديث إرشاداتها الأمنية للأمريكيين في الشرق الأوسط حذّرت فيها من احتمال تصاعد القتال بين الحوثيين المدعومين من إيران والسعودية بسرعة، رافقه تحذير مماثل صادر عن السفارة الأمريكية في "إسرائيل" يحث "الإسرائيليين" على توخي الحذر وأخذ اضطرابات الرحلات الجوية وإغلاق المجال الجوي والازدحامات المرورية بعين الاعتبار.

وأكدت مصادر دبلوماسية أن تحديث وتحذيرات الإدارة الأمريكية لا يعني بالضرورة توقع تطور فوري، بل يعكس مسؤوليتها القانونية لتوعية مواطنيها بخطورة الوضع في حال تصاعد النزاع.

وعلى الصعيد الميداني، أكدت السعودية إطلاق الحوثيين لصاروخ باليستي باتجاه العاصمة الرياض ادعت منظومة الدفاع الجوي السعودية اعترضه، في أول هجوم يطال العاصمة منذ بدء موجة التصعيد الحالية؛ حيث أفاد السكان بسماع دوي انفجار ورؤية أدخنة في منطقة مطار الرياض دون وقوع إصابات أو أضرار.

وفي المقابل، صرح الحوثيون بمهاجمة أهداف حساسة بالرياض عبر صواريخ وطائرات مسيرة، واستهداف منشآت تابعة لشركة "أرامكو" النفطية في "ينبع".

وادعت السلطات السعودية إحباط محاولات لإلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية في كل من ينبع، والطائف، وبايش، وفارسان، فيما لم يتم التحقق من تصريح الحوثيين بخصوص منشآت "أرامكو".

وتُجبر هذه الموجة المتزايدة المملكة على توزيع جهودها بين حماية المدن والبنية التحتية من الصواريخ والمسيّرات، وتأمين منشآت الطاقة، وحماية الممرات الملاحية في البحر الأحمر، لا سيما بعد توسيع الحوثيين هجماتهم وإعلانهم في يوليو فرض حصار بحري على المملكة، ومخاطر إلحاق الضرر بحركة الملاحة عبر مضيق باب المندب وما يترتب عليه من تكاليف اقتصادية واستراتيجية باهظة.

وعلى خط التطورات في واشنطن، عاد الرئيس "دونالد ترامب" بشكل مفاجئ ومبكر من مقر إقامته في "كامب ديفيد" إلى البيت الأبيض دون تقديم أي تفسير رسمي لتعديل جدول أعماله، أو تأكيد ربط ذلك بأزمات الشرق الأوسط، وذلك وسط مناقشات داخل الإدارة الأمريكية حول حجم التدخل المطلوب.

وذكرت وسائل إعلام أمريكية أنه جرى بحث خيارات العمل ضد الحوثيين خلال تواجد "دونالد ترامب" في "كامب ديفيد"، إلا أنه لم يُعلن أي قرار بشن هجوم عسكري؛ إذ امتنعت واشنطن حتى اللحظة عن التدخل العسكري المباشر إلى جانب السعودية في الجولة الحالية، ولم تستجب للطلبات الواردة من الرياض لاتخاذ إجراءات عسكرية ضدهم.

وفي سياق "القراءة الإسرائيلية" للموقف، تراقب "إسرائيل" التطورات الميدانية عن كثب، حيث ترجح "مصادر إسرائيلية" أن يؤدي الضغط العسكري على السعودية إلى التأثير على حساباتها السياسية؛ مشيرة إلى أن "هذا التصعيد قد يُسهم في دعم اتفاقيات إبراهام".

وأوضحت المصادر أن المسؤولين في الرياض يمرون بوضع حرج مع اكتشافهم أن التحالفات التي بنوها لا توفر استجابة أمنية كاملة للتهديدات الراهنة، مقدرةً أنه في حال اشتداد خطر الحوثيين ومحدودية المساعدات من الحلفاء التقليديين، ستكتسب "القدرات الإسرائيلية" في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي أهمية أكبر وأعمق لدى القيادة السعودية في إبرام صفقة ضخمة مرتقبة.

وأمام هذه التحديات وشح الطائرات الاعتراضية، سعت السعودية في الأسابيع الأخيرة إلى حشد الدعم الخارجي؛ إذ أفادت تقارير بطلبها مساعدات في مجال الدفاع الجوي من فرنسا، وبريطانيا، وباكستان، ومصر، شملت زيارة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة لبحث الدعم المصري ضد الحوثيين.

كما يخضع التعاون الأمني المشترك بين السعودية، وتركيا، وباكستان لاختبار حقيقي؛ إذ أعلن وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان" استعداد "أنقرة" لتقديم دعم عسكري للسعودية بموجب الاتفاقية الدفاعية الثلاثية، بينما لم تشارك باكستان حتى الآن في أي عمل عسكري ميداني ضد الحوثيين.

وتخلص "المصادر الإسرائيلية" إلى أن الفجوة الواضحة بين احتياجات الرياض الأمنية والدعم الفعلي المتاح تُشكل جوهر التقييم الذي يضع القدرات والخبرات الاستخباراتية والدفاعية "الإسرائيلية" ضد الحوثيين ضمن حسابات المملكة المستقبلية.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "آنا بارسكي"