كيف تصدر المهاجرون الأمريكيون "الرواية الإسرائيلية" بعد 7 أكتوبر؟
ترجمة الهدهد
تطورت الجالية الأمريكية في كيان العدو، والتي يُقدر عددها بنحو 600 ألف نسمة، من مجرد فئة مهاجرة تسعى للاندماج الهادئ إلى قوة نفوذ هائلة تُشكل ملامح الاقتصاد، والتكنولوجيا المتقدمة، والسياسة، ومراكز صنع "القرار الإسرائيلي"، برز دورها بشكل جلي وكبير عقب أحداث 7 أكتوبر.
وقد تجلت محورية هذه الفئة منذ اللحظات الأولى لهجوم 7 اكتوبر، حيث أدّت المهارات اللغوية والعلاقات المباشرة مع مراكز القوة في واشنطن دوراً مفصلياً؛ إذ تحوّلت الحرب سريعاً إلى شأن "إسرائيلي-أمريكي" مشترك.
وشغل شخصيات من أصول أمريكية موقع الوساطة والتنسيق على جانبي طاولة المفاوضات، من أمثال "رون ديرمر"، و"مايكل أيزنبرغ"، و"يحيئيل ليتر" في "الجانب الإسرائيلي"، مقابل "أنتوني بلينكن"، و"عاموس هوكشتاين"، ولاحقاً "ستيف ويتكوف" و"جاريد كوشنر" في الجانب الأمريكي، فضلاً عن الدور المحوري الذي لعبه المهاجرون وأبناؤهم في قيادة جبهة الدبلوماسية العامة والصورة الذهنية لـ "إسرائيل" في الغرب.
وتُشير البيانات إلى أن الهجرة الأمريكية إلى كيان العدو، التي بدأت بالزخم بعد حرب عام 1967 وتعديل قوانين الجنسية في الولايات المتحدة، لم تكن هجرة لجوء أو ضائقة مالية، بل هجرة اختيارية لأفراد ميسوري الحال ومؤهلين علمياً.
وقد حظي هؤلاء بمعاملة تفضيلية في "المجتمع الإسرائيلي"، وأسسوا ما يُعرف بـ "الهجرة الجزئية" عبر الإقامة في مجتمعات ناطقة بالإنجليزية في أحياء مثل "البقعة" بالقدس المحتلة، ومدن مثل "رعنانا" و"بيت شيمش" ومستوطنتي "إفرات" و"حشمونائيم"، مع الاستعانة بمنظمات متخصصة كـ "روح بروح" لتسهيل استقرارهم الذي بات يستمر بنسبة تجاوزت 90%.
وفي القطاع الاقتصادي، شكّل المهاجرون الأمريكيون القوة المحركة لتأطير ونمو قطاع التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال الاستثماري، بفضل شبكات العلاقات العالمية التي جلبوها معهم.
وساهم مستثمرون بارزون من أمثال "مايكل آيزنبرغ"، و"سكوت توبين" عبر صندوق "باتري فنتشرز"، و"جوناثان كولودني" الذي افتتح فرع شركة "ماكينزي" في "تل أبيب"، في فتح أبواب الأسواق العالمية أمام "الشركات الإسرائيلية".
كما يعود الفضل للكاتبين "شاؤول سينغر" و"دان سينور" في صياغة الرواية الابتكارية لـ "إسرائيل" وتسويقها للعالم من خلال كتابهما الشهير "أمة الشركات الناشئة".
وعلى الصعيد السياسي والديني، يمتد نفوذ الجالية الأمريكية عبر مختلف أطياف "المشهد الإسرائيلي"؛ فمن جهة اليمين، أثّر مفكرون ومؤسسات في التوجيه الأيديولوجي للحكومات، من أبرزهم "موشيه كوبيل" رئيس "منتدى كوهيليت"، و"دوري غولد"، و"يورام حزوني".
كما كان لرئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" - الذي ترعرع جزءاً من حياته في أمريكا - دور رئيسي في تقريب هذه الشريحة والاستعانة بمستشارين ومسؤولين أمريكيين أمثال "آرثر فينكلشتاين"، و"إيلي غرونر"، و"آري هارو"، و"كارولين غليك".
وفي المقابل، وضع مهاجرون أمريكيون آخرون أسس "الحركة النسوية الإسرائيلية" كـ "مارشا فريدمان"، والمنظمات الليبرالية وحركات السلام كـ "نساء حائط المبكى" وحركة "السلام الآن".
غير أن هذا البروز لم يخلُ من الانتقادات والتوترات؛ فقد واجه مسؤولون مثل "رون ديرمر" هجوماً إعلامياً "إسرائيلياً" اتهمه بالافتقار إلى "الهوية الإسرائيلية الأصيلة"، إلى جانب بروز انقسامات داخل الجالية نفسها بشأن إدارة ملف الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية حماس الذين يحمل 12 منهم الجنسية الأمريكية.
وتجسد هذا التباين في النشاط الدولي الذي قادته "راشيل غولدبرغ-بولين"، والدة القتيل "هيرش غولدبرغ-بولين"، والتي أصبحت صوتاً إنسانياً بارزاً في وسائل الإعلام العالمية والمحافل السياسية، مقابل الاحتجاجات المباشرة التي وجهها أمريكيون ضد "ديرمر" لحثه على إبرام صفقة تبادل.
ورغم "الطموحات الإسرائيلية" بالترويج لـ "هجرة مليونية" جديدة من أمريكا للاستفادة من طاقتهم الاقتصادية، يرى خبراء علم الاجتماع كـ "حاييم واكسمان" أن المعطيات الرقمية لا تشير حتى الآن إلى تدفق ضخم يماثل هجرة التسعينيات الروسية.
ومع ذلك، تؤكد منظمة "روح بروح" ارتفاع طلبات الهجرة بنسبة 30% منذ أحداث 7 أكتوبر، وسط تصاعد المخاوف الضمنية من ارتفاع معدلات ما يسمى "معاداة السامية" في الجانبين الأيسر والأيمن من السياسة الأمريكية.
المصدر: موقع "ذا ماركر"