ترجمة الهدهد

تُمثل الانتخابات المقبلة في "إسرائيل" لحظة تحول فارقة تتجاوز حدود التنافس الحزبي التقليدي لتطرح أسئلة وجودية حول بنيوية الفكر المدني واتجاهات الشارع؛ إذ أدى التآكل المتزايد في ثنائية "اليمين واليسار" وتراجع القيمة السياسية لشعار "نعم لنتنياهو، لا لنتنياهو" إلى إعادة تشكيل وعي الناخبين.

وتواجه "حكومة نتنياهو" الحالية التي تُسمى "حكومة 7 أكتوبر" اختباراً حرجاً أمام الرأي العام في ظل إخفاقها في معالجة القضايا المعيشية كغلاء الأسعار وتفشي الجريمة، فضلاً عن تحذيرات مبكرة أطلقها قادتها أنفسهم فور اندلاع الحرب ألمحوا فيها إلى فقدان الشرعية الشعبية والضرورة الملحة للتنحي.

وتتجلى الفجوة العميقة بين السردية السياسية والواقع الميداني في تزايد شكوك الأوساط العسكرية والأمنية تجاه ادعاءات "النصر المطلق" أو القضاء الشامل على التهديدات النووية والصاروخية؛ فبينما يصر رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" ووزير جيشه "يسرائيل كاتس" على إظهار القوة الردعية المفرطة والتلويح بالحرب على جبهات متعددة، تُطلق قيادة أركان جيش العدو تحذيرات متتالية تعكس تآكل القدرات التشغيلية والإنهاك المتراكم الذي يعاني منه "الجيش"، وهو ما يُبرز التناقض بين الخطاب الانتخابي والواقع المؤسسي.

وعلى الصعيد الدولي، تعيش "إسرائيل" أزمة دبلوماسية غير مسبوقة أعادت تشكيل علاقاتها الإستراتيجية مع حلفائها التقليديين في الولايات المتحدة، حيث باتت تُصنف الحكومة الحالية كعنصر مجازفة يهدد المصالح المشتركة.

كما تتصاعد في أوروبا تحركات نحو فرض عقوبات ومقاطعة سياسية واقتصادية ورداً على ممارسات المستوطنين في الأراضي المحتلة، مما يمثل تحولاً جذرياً مقارنة بالدعم المطلق الذي حظيت به "حكومات إسرائيلية" سابقة، ويعكس حجم العزلة التي أحاطت بـ "نتنياهو" في المحافل الدولية والمنابر الأممية.

وفي المعسكر المقابل، تسعى "كتلة التغيير" إلى استثمار العزلة الدولية والتدهور الداخلي عبر إعادة تنظيم صفوفها وتفادي الأخطاء التكتيكية السابقة المتعلقة بتشتت الأصوات بين الأحزاب الصغيرة.

ويبرز صعود رئيس أركان جيش العدو السابق "غادي آيزنكوت" في الاستطلاعات كظاهرة تعكس نفور الشارع من السياسيين التقليديين وتفضيله لرموز تقدم نموذجاً قائماً على القدوة والتواضع الميداني، متجاوزةً بذلك شخصيات امتلكت خبرات وزارية طويلة مثل "نفتالي بينيت" و"أفيغدور ليبرمان".

غير أن هذه الحسابات تظل محاطة بتهديدات صريحة ناتجة عن تشتت الخارطة الانتخابية ومشاركة عشرات الأحزاب الهامشية التي قد تُهدر مقاعد حيوية للكتلتين المتنافستين.

وفي المقابل، يركز ائتلاف اليمين الحاكم على تأمين الأغلبية البرلمانية لضمان السيطرة على الحقائب السيادية وفي مقدمتها "وزارة القضاء"، مراهناً على التحالفات المتطرفة والتفاهمات الحزبية للالتفاف على التراجعات الشعبية والحفاظ على السلطة.

المصدر: "القناة 12"/ "أمنون أبراموفيتش"