حرب التسريبات .. "نتنياهو" ضد "رونين بار"..
ترجمة الهدهد
إن المواجهة الحادة التي اندلعت بين رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" ورئيس جهاز الأمن العام السابق "رونين بار"، ليست سوى أحدث فصول جدل مستمر منذ ما يقارب ثلاث سنوات حول السعي لمعرفة ما الذي كان يعلمه كل منهما قبل السابع من أكتوبر 2023؟ وماذا أوصى رئيس جهاز الأمن العام؟ وماذا قرر رئيس وزراء العدو؟
وقد اتهم "نتنياهو" "بار" بـ"التقصير وارتكاب جرائم"، وزعم أنه كان على علم بـ"خطر حقيقي" ليلة الهجوم، لكنه لم يبلغه به. وفي رد غير معتاد، أعلن "بار" نيته رفع دعوى تشهير ضده، مدعياً أن "نتنياهو" ينشر الوثائق والبروتوكولات بشكل جزئي ومتلاعب، كما طالب بنشرها كاملة دون اقتطاع.
أزمة الـ 55 صفحة واقتطاع جلسة 1 أكتوبر
تتمحور القضية حول الصفحات الـ55 التي نشرها "نتنياهو" كجزء من ردوده على تحقيق "مراقب الدولة"؛ حيث تتضمن الوثيقة العديد من الاقتباسات من مناقشات أمنية، ولكن في معظم الحالات لم تُنشر النصوص الكاملة، بل مقتطفات فقط وافق عليها رئيس وزراء العدو، مما أثار الجدل حول السياق الذي قُدّمت فيه هذه التصريحات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك تقييم الوضع الذي عقده "نتنياهو" في الأول من أكتوبر 2023 (قبل ستة أيام من الهجوم)، حيث أشار "توباز لوك"، مستشار "نتنياهو"، عبر منصة "X" إلى اقتباس من "بار" في ذلك الاجتماع قال فيه: "يمكنك أن تكون كريماً جداً، بل ومغرياً، في القضايا الإنسانية... لا أعتقد أننا سنكون قادرين، في ظل كل ما هو معروف هنا، على القيام بجولة استباقية".
وعلى الرغم من أن الاقتباس حقيقي وورد في مقتطفات النص التي وافق "نتنياهو" على نشرها، إلا أن وثيقته تزعم أيضاً أنه خلال تلك المناقشة "لم يقترح أي طرف إحباط قيادة حماس في غزة"، وأن "نتنياهو" هو من أمر بالاستعدادات لإحباطها.
إلى جانب ذلك، وردت تقييمات تفيد بأن سنوار كان يرغب في العودة إلى الهدوء، فضلاً عن تصريحات لوزير جيش العدو آنذاك "يوآف غالانت" قال فيها إن "إسرائيل لديها مصلحة عميقة في تحقيق الهدوء في قطاع غزة".
السياق الغائب ورواية بيرغمان
وهنا يبدأ الجدل حول السياق؛ فبحسب التحقيق الذي نشره "رونين بيرغمان" و"يوفال روبوفيتش" في موقعي "واي نت" و"يديعوت أحرونوت"، قال "بار" في الاجتماع نفسه: "يشعر سنوار بالقوة، ويجب مواجهته. يجب إعداد خطة عملياتية لقطاع غزة". ووفقاً للتحقيق نفسه، طلب رئيس أركان العدو "هرتسي هاليفي" أيضاً "إعداد حملة واسعة النطاق في قطاع غزة".
ونشر "بيرغمان" تفصيلاً آخر يرتبط بالاقتباس الذي استخدمه "لوك"؛ فبحسب قوله، فإنّ تصريح "بار" بأنه لا توجد إمكانية لشن "تحوّل استباقي" في تلك المرحلة كان جزءاً فقط من كلامه.
وفي التصريحات اللاحقة التي لم تُنشر في الأجزاء التي الكشف عنها، سعى "بار" للترويج لخطة اغتيال وُصفت بـ"الحقوق المزدوجة" — وهي خطة تهدف إلى القضاء على يحيى السنوار ومحمد الضيف في آنٍ واحد ثم مهاجمة التسلسل القيادي لهما، موضحاً أن إعادة تجهيز المنظومة العملياتية سيستغرق وقتاً.
ويُضيف ملخص المناقشة الذي نشره مكتب رئيس وزراء العدو في الوقت الفعلي بُعداً هاماً؛ فإلى جانب التعليمات بـ"زيادة استخدام المساعدات الإنسانية" و"تشجيع التسوية المدنية مع حماس"، يتضمن الملخص توجيهاً بـ"تعزيز الجاهزية العملياتية للتدابير الوقائية المُقترحة".
وفيما يتعلق بقادة حماس، ورد فيه "مع التأكيد على ضرورة التدخل الفوري"، وفيما يتعلق بمقر حماس الذي يُدير العمليات في الضفة الغربية — بشكل روتيني أيضاً. وتُشير هذه الصياغة إلى أن هذه التدابير كانت مُقترحاً مطروحاً للنقاش، دون الإفصاح عن هوية مُقدم كل اقتراح أو تاريخ تقديمه.
وبناءً عليه، قد يكون الأمران صحيحين في ذلك الاجتماع: لم يوصِ "بار" بشن حرب شاملة فوراً وتحدث عن فوائد إنسانية، وفي الوقت نفسه رأى في السنوار قوةً متزايدة وطالب بمواجهته والتحضير للهجوم. وبسبب عدم نشر النص الكامل، لا يمكن للجمهور حالياً التحقق من تسلسل الأحداث.
تحذيرات 2023 وإفادة المحكمة العليا
لا تستند رواية "بار" إلى جلسة الأول من أكتوبر فحسب؛ ففي إفادة خطية قدمها للمحكمة العليا في أبريل 2025، ادعى أن "الشاباك" حذر طوال عام 2023 القيادة السياسية من أن الانقسام الداخلي يخلق شعوراً لدى الأعداء بأن هناك "فرصة سانحة" وأن البلاد قد تقع في "عاصفة كاملة"، موصياً منذ أبريل باتخاذ "خطوة حازمة ومركزة" لوقف تآكل الردع.
وأكدت الإفادة ما كشفه "نداف إيال" سابقاً؛ أنه في يوليو 2023، عشية التصويت على إلغاء مبررات المعقولية، أخبر "بار" "نتنياهو" أنه يوجه إليه "تحذيراً بالحرب"، موضحاً أنه لا يملك يوماً أو ساعةً للتنفيذ، ومحذراً من رصد أعداء "إسرائيل" لنقاط ضعف الداخلية. ولاحقاً، وبموافقة "نتنياهو"، نقل "بار" رسالة مماثلة لزعيم المعارض "يائير لابيد".
ومع ذلك، لم يكن هذا تحذيراً استخباراتياً محدداً بشن حماس هجوماً في 7 أكتوبر من غزة؛ إذ كان الخوف السائد من تصاعد شامل يشمل "حزب الله" والضفة الغربية. وبناءً عليه، ادعى مكتب "نتنياهو" أن "رئيس الوزراء" لم يتلقَّ "تحذيراً بالحرب في غزة" من "بار".
إخفاق ليلة 6-7 أكتوبر والمسؤولية الشخصية
لا يُلغي أيٌّ من هذا إخفاق "الشاباك"، ولم يدّعِ "بار" خلاف ذلك؛ بل وصفه صراحةً في شهادته. فبحسب "بار"، أُبلغ مسؤولو الجيش في وقت مبكر من الساعة 11:00 مساءً ليلة السادس من أكتوبر بالخلل المرصود. وفي الساعة 3:03 صباحاً، أصدر "الشاباك" تحذيراً بشأن "استعدادات استثنائية واحتمالية وجود نوايا هجومية من جانب حماس".
إلا أن "بار" كتب أن مستوى التحذير كان خاطئاً ويُمثّل "إخفاقاً للشاباك"، حيث تم تقييم الصورة الاستخباراتية بشكل خاطئ على أنها حالة تأهب من حماس ضد أي "تحرك إسرائيلي"، أو في السيناريو الأكثر خطورة كاستعداد لهجوم مُستهدف، ولم يتوقع أحد هجوماً بهذا الحجم.
وبسبب المخاوف، تم إرسال قوة "تيكيلا" التابعة لـ"الشاباك" ووحدة "يامام" إلى الجنوب، وأصدر "بار" تعليماته الساعة 5:15 صباحاً بإبلاغ السكرتير العسكري لرئيس وزراء العدو، لكن "نتنياهو" لم يتلقَّ أول اتصال من السكرتير العسكري "آفي جيل" إلا في الساعة 6:29 صباحاً بعد بدء الهجوم. وتظل مسؤولية تأخر التبليغ بين 5:15 و6:29 صباحاً من الأسئلة غير المجاب عليها رسمياً.
وكان "بار" قد تحمّل المسؤولية الشخصية في رسالة لموظفي الجهاز كتب فيها: "على الرغم من الإجراءات المتخذة، فإن الجهاز فشل في توفير إنذار كافٍ يسمح بإحباط الهجوم، وبصفتي رئيس الجهاز، تقع عليّ مسؤولية ذلك". لذا فإن تحذيراته السابقة لا تُغير من حقيقة فشل الجهاز تحت قيادته ليلة الهجوم.
حقيقة الموقف والحاجة للجنة تحقيق
لا تتوافق المواد المنشورة مع تقسيم بسيط يقوم على أن أحد الطرفين يسعى للهدوء والآخر للهجوم؛ فقد تبنى "الشاباك" تقييماً خاطئاً مفاده أن الاستقرار في غزة يمكن الحفاظ عليه عبر التهدئة والتنازلات، حيث ذكر تقرير استخباري للجهاز بتاريخ 3 أكتوبر 2023 أن تجديد التفاهمات ينطوي على "إمكانية الحفاظ على الاستقرار وربما على المدى الطويل"، وأشارت وثائق أخرى إلى تقييم سعي "حماس" لتحقيق أهدافها دون الانجرار لحملة.
وفي الوقت نفسه، توجد وثائق تؤكد تحذير "بار" وتوصيته باغتيال السنوار والضيف. أما "نتنياهو" نفسه، فقد أظهرت ملخصات مكتبه أنه وجه أيضاً باستخدام المكاسب الاقتصادية والترويج لـ"تسوية مدنية مع حماس".
وهذا تحديداً هو السبب للمطالبة بالكشف عن المحاضر الكاملة؛ فما دام الجمهور يتلقى جملاً مقتطعة وافق أحد الأطراف على نشرها، فلن يمكن تحديد السياق الكامل. وتظل لجنة تحقيق رسمية قادرة على مراجعة الوثائق السرية هي الوحيدة القادرة على معرفة القرارات المتخذة ومن اتخذها وما الذي تم فعله استجابةً لها.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرونوت"/ "تال أموداي"