ترجمة الهدهد

تتعرض "إسرائيل" حالياً لعزلة دولية غير مسبوقة، تجلت بوضوح في خطاب رئيس وزراءها "بنيامين نتنياهو" في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في خسارتها المتسارعة للولايات المتحدة الامريكية؛ الدولة التي لا يمكن لـ"إسرائيل" البقاء والاستمرار بدونها.

وقد قامت "العلاقة الخاصة" التاريخية بين واشنطن و"تل أبيب" على مزيج من العناصر "الصلبة" كالمصالح الاستراتيجية، والعناصر "الناعمة" كتشابه تاريخ تأسيس الكيان عبر موجات الهجرة، وروح الريادة، وشغف الانفتاح، والنظام الديمقراطي الليبرالي، بدعم قوي من المجتمع اليهودي، وتأييد عريض من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ورأي عام متفهم.

وعلى الرغم من أن هذه المكونات شهدت تصدعات حتى قبل اندلاع الحرب، إلا أنها وصلت إلى مرحلة الانهيار التام خلالها.

تراجع الأهمية الاستراتيجية وانكفاء "ترامب"

أدى انسحاب الرئيس السابق "دونالد ترامب" من القيادة الدولية للغرب وتركيزه على الداخل الأمريكي إلى تقليص أهمية "إسرائيل" كحليف استراتيجي على الصعيد العالمي. وفي الوقت نفسه، ساهمت مصالحه التجارية في الشرق الأوسط في تهميش دور "إسرائيل" الإقليمي لصالح تعزيز مكانة دول الخليج الغنية؛ حيث قبلت السعودية اتفاقية دفاعية مع واشنطن تتضمن بنية تحتية نووية دون الحاجة لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل".

كما ينظر "ترامب" إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كصديق وشريك، متجاهلاً توجهاته وهجماته الحادة على "نتنياهو".

تآكل القيم المشتركة وفقدان الدعم الحزبي

شكلت مقولة إن "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" إحدى أهم دعائم هذه العلاقات، غير أن الثورة القانونية والسياسية التي قادها "ياريف ليفين" ألحقت ضرراً بالغاً بهذه القيمة المشتركة.

بالتوازي مع ذلك، فقدت "إسرائيل" التأييد المزدوج من الحزبين في "الكونغرس"؛ فبعد عقود من حرص "القادة الإسرائيليين" على عدم التدخل في الشؤون السياسية الأمريكية، خرق "نتنياهو" هذا المبدأ عندما وقف إلى جانب المرشح الجمهوري "ميت رومني" في انتخابات 2012، ثم في عام 2015 عندما هاجم الرئيس "باراك أوباما" داخل "الكونغرس" بسبب الاتفاق النووي مع إيران، واصل دعم "ترامب" في الاستحقاقات الانتخابية، مما زاد من نفور الحزب الديمقراطي.

في المقابل، تعزز نفوذ الجناح التقدمي المعادي لـ"إسرائيل" داخل الحزب الديمقراطي، عبر تحالفات مع المسلمين والأقليات، حققت نجاحات بارزة مثل انتخاب "زوهار ممداني" عمدةً لمدينة نيويورك، وفوز مرشحين تقدميين في الانتخابات التمهيدية.

ولم يسبق أن اشترط الناخبون التقدميون والشباب دعمهم لمرشحيهم بإدانة "إسرائيل" والتعهد بالتصويت ضد المساعدات العسكرية لها. ولا يقتصر هذا التراجع على الديمقراطيين، إذ يضم الحزب الجمهوري أيضاً شخصيات متطرفة ومعادية للسامية تُروج لكون "إسرائيل" باتت عبئاً على واشنطن.

انهيار الرأي العام وفقدان اليهود الأمريكيين

خسرت "إسرائيل" التعاطف الشعبي الأمريكي؛ فبعد أن كان نحو ثلثي الشعب ينظرون بتعاطف لنضالها ضد الفلسطينيين، انقلبت النسبة لتصبح الأغلبية تنظر بأسلوب سلبي وتدعم الجانب الفلسطيني، ولا سيما بين أوساط الشباب والأقليات والديمقراطيين الملتزمين بالعدالة الاجتماعية، واستمر هذا التراجع حتى بعد إبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار.

كما خسرت "إسرائيل" شريحة واسعة من اليهود الأمريكيين الذين شكّلوا سَنَداً لها لأجيال؛ فعلى الرغم من التضامن الأولي بعد 7 أكتوبر، أدت طريقة إدارة الحرب في غزة إلى ابتعادهم عنها تدريجياً. وفي الوقت نفسه، استغلت أطراف معادية هذا ربطاً لسلوك حكومة "نتنياهو" و"الجيش الإسرائيلي" باليهود الأمريكيين، مما فجر موجات من معاداة السامية غير مسبوقة في أمريكا.

آفاق المستقبلي وسبل الإنقاذ

تبدو الشكوك كبيرة حول إمكانية تصحيح هذا المسار المتدهور؛ حيث يُرجح أن يُذكر "جو بايدن" و"دونالد ترامب" كآخر رئيسين مؤيدين لـ"إسرائيل" في البيت الأبيض.

إن "إسرائيل" لا يمكنها البقاء بدون الدعم الأمريكي، بينما تقف حكومة "نتنياهو" والائتلاف الحالي عاجزين عن وقف هذا التدهور، بل يسهمون بأفعالهم وتصريحاتهم في زيادة الطين بلة.

ولتدارك هذا الخطر الوجودي، يتوجب اتخاذ خطوات جادة لإصلاح العلاقات مع الديمقراطيين المعتدلين، واستعادة الدعم العابر للحزبين، ومواجهة التيارات المتطرفة، وإعادة بناء الجسور مع اليهود والشباب والأقليات في أمريكا، بالتوازي مع الحفاظ على النظام الديمقراطي وفصل السلطات داخل "إسرائيل".

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرونوت"/ البروفيسور "جيلبوا" (خبير الشؤون الأمريكية والإعلام في جامعتي "رايخمان" و"بار إيلان")