كيف تهاوى مفهوم "نتنياهو" أمام تحذيرات القاهرة وأبو ظبي؟
ترجمة الهدهد
تكشف الشواهد والوقائع الدبلوماسية المتلاحقة أن الفشل الذريع الذي تجسد في أحداث 7 أكتوبر لم يكن مجرد كبوة استخباراتية أو ثغرة عسكرية مفاجئة، بل كان النتيجة الحتمية لسياسة العمى والصمم السياسي التي انتهجها رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" لسنوات طوال؛ إذ تجاهل وألغى سلسلة من التحذيرات السياسية والإقليمية المبكرة والمباشرة التي وردت إليه من قادة المنطقة، وعلى رأسهم حلفاؤه في الإمارات العربية المتحدة ومصر.
وتعود جذور هذه التحذيرات السياسية إلى ما قبل الكارثة بأشهر طويلة؛ ففي 3 يناير 2023، أدى اقتحام "إيتامار بن غفير" للمسجد الأقصى إلى موجة غضب إقليمية بادرت على إثرها أبو ظبي، بالتنسيق مع الصين، إلى الدعوة لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي للمطالبة بالحفاظ على الوضع الراهن، كما أقدم الرئيس الإماراتي محمد بن زايد على إلغاء زيارة "نتنياهو" المقررة لبلاده في خطوة صريحة للتعبير عن القلق الإقليمي.
وتلا ذلك في 9 فبراير من العام نفسه تحذير مباشر نقله رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية أسامة عسكر لـ "رئيس الأركان الإسرائيلي" "هرتسي هاليفي" خلال لقائهما في البحرين، حذر فيه من انزلاق المنطقة نحو "حرب متعددة الجبهات" ما لم يُسيطر على تصرفات الحكومة، متزامناً مع محادثات أجراها رئيس المخابرات المصرية عباس كامل مع وفد من حركة حماس برئاسة إسماعيل هنية لتعنته للتهدئة، حيث أبلغت القاهرة "الجانب الإسرائيلي" فوراً برفض الحركة تفكيك ربط الجبهات بين غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة.
ورغم هذه الإشارات الحمراء الواضحة، تمسك "نتنياهو" بنظرية خطرة أثبتت الأيام بطلانها؛ تقوم على شل السعي نحو قيادة دولة فلسطينية عبر استمرار تغذية حركة حماس وتمكينها مالياً وسياسياً لمواجهة السلطة الفلسطينية، وفق ما صرح به بنفسه أمام كتلة "الليكود" عام 2019 حين قال: "على كل من يريد عرقلة قيام دولة فلسطينية أن يدعم تقوية حماس وتحويل الأموال إليها".
واستمر هذا الرهان المشوّه حتى أواخر عام 2023؛ إذ كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أنه طالب في الأول من أكتوبر 2023 – قبل أيام معدودة من المجزرة – بفرض "صمت مطبق" في غزة لضمان عدم إعاقة مسار التطبيع مع السعودية، واهماً بأن تقديم التنازلات المالية والأمنية لحماس كفيل بشرائها وشل حركتها، ومغفلاً حقيقة أن إحباط مسار التطبيع هو هدف استراتيجي للحركة لا تُغيره العطايا المالية.
إن محاولات "نتنياهو" المستمرة اليوم لإنكار تلقيه تحذيرات أمنية محددة أو التقليل من شأنها بدعوى افتقارها للزمان والمكان والدقة، لا يمكنها أن تعفيه من المسئولية السياسية والأخلاقية عن بناء هذا "المفهوم" الفاسد وترويجه؛ فبدلاً من أن تدفعه تحذيرات الشركاء الإقليميين لمراجعة حساباته، ومساءلة "الجيش الإسرائيلي" وجهاز الأمن العام "الشاباك"، واختبار مدى صحة فروضه حول ردع حماس، آثر التعامي والإصرار على نظريته المنهارة.
يتبين بجلاء أن الفشل الاستخباراتي والعسكري الشديد في 7 أكتوبر لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن حالة الفقدان السياسي للرؤية والسمع التي أصابت رأس السلطة؛ فقد ذهب "نتنياهو" مؤخراً إلى أبو ظبي في محاولة لإقناع حليفه بتقديم نفي إعلامي يبرئه من الإهمال، غير أن الوقائع التاريخية والتحذيرات المكتوبة والشفهية تظل شاخصة، لتؤكد أن الرجل الذي بنى مفهوم "إدارة الصراع" وتغذية الخصوم، هو نفسه من أعمى بصره عن رؤية المؤشرات حتى وقعت الواقعة.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "تسفي باريل"