ترجمة الهدهد

تُشير قراءة تحليليّة للمشهد السياسي والأمني في كيان العدو إلى تحول جوهري وخطير في طبيعة إدارة الصراع؛ فبعد سنوات طويلة طالبت فيها "إسرائيل" وتمنّت أن يتخذ النزاع مع أعدائها بُعداً وطنيّاً وقومياً قائماً على الحدود بين الأمم لتقليل الأيديولوجيا والدين وتجنب "الحرب الشاملة"، ساهم "السلوك الإسرائيلي" مؤخراً في تفاقم التحدي الأصولي القديم.

وبينما تمثل التحدي الأكبر سابقاً في الإسلام الذي يحظر الاعتراف بـ "إسرائيل" ولا يمنح إلا هدناً مؤقتة قابلة للخرق كما حدث في هجوم 7 أكتوبر 2023، أدى التعاطي مع القضايا الدينية عقب هذا التاريخ إلى فرض ثقل ومحتوى ديني مهيمن على "السياسة الإسرائيلية" وبوصلتها، لا سيما في السياق الفلسطيني.

وأوضح التقرير التحليلي أن غياب المعالجة الحقيقية للصدمة الجماعية الممتدة منذ ثلاث سنوات هيأ أرضاً خصبة لتبني أفكار شائعة كانت تُعتبر سابقاً غير واقعية أو ضرباً من الخيال؛ حيث أُقحمت مفاهيم وأهداف مستمدة من العصور التوراتية وترتبط بتيار "الصهيونية الدينية" في دورة حياة دولة حديثة، دون نقاش معمق حول خطورة اعتماد الكيان على الإيمان الخالص أو مفاهيم "المعجزات والخلاص الوشيك".

وتجلى ذلك في تصريحات ومواقف وزير المالية المتطرف "بتسلئيل سموتريتش"، بدءاً من دعوته لمحو قرية "حوارة"، وتأسيس "عقيدة يشوع بن نون" التي لا تعترف بوجود مواطنين غير يهود متساوين في الحقوق بل تعتبرهم "أمميين"، واقتراح قبول "العرب الإسرائيليين" كـ "مواطنين" "في الوقت الراهن" فقط، والاعتماد على اقتصاد التوراة كما في عهد الملك داود، ووعده بتمويل بناء "الهيكل"، وصولاً إلى التطاول على السعودية واشترط ركوبهم الجمال إذا طالبوا بالدولة الفلسطينية شرطاً للتطبيع، والتنكر لأوروبا وانتقاداتها للعنف اليهودي بالضفة الغربية.

وأبرز التحليل أن الضفة الغربية أضحت الساحة المحورية لعملية "تسييس وتدين" "السياسة الإسرائيلية"، عبر تقديس السيطرة على الأراضي بأمرٍ إلهي، والتصرف تجاه الفلسطينيين كـ "غير يهود يُفضل رحيلهم طوعاً"، وهي معايير بدأت تتسرب تدريجياً لجميع أنحاء الكيان وتؤثر على مستقبل كافة "الإسرائيليين".

كشفت الحياة اليومية بالضفة عن تحول الصراع إلى طابع ديني بحت؛ كاعتداءات حرق المساجد والكنائس، وتعميق السيطرة على المواقع الدينية، وتغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى عبر طقوس واحتفالات مكثفة وتصريحات علنية بضرورة إخلائه لبناء "الهيكل"، وهو ما يُثير غضباً كبيراً لدى الدول العربية (ولا سيما تلك المرتبطة بروابط مع "إسرائيل")، مُحذراً من أن الصمت الحالي ينطوي على خطأ تقييمي وأن تغيير الوضع الراهن سيقود حتماً لنقطة انفجار تضر بالرصيد الاستراتيجي للعلاقات الإقليمية.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن تعزيز الأسس الدينية للسياسة الخارجية والأمنية يترافق مع طقوس تُقدّم كـ "مناسبات وطنية"، من احتفالات العودة للاستيطان في قطاع غزة، ورحلات شمال الضفة الغربية، ومشاريع التوسع في الأراضي السورية والحدود اللبنانية، وهي تحركات تُثير حماسة أتباع "الصهيونية الدينية" لكنها تُفرض على بقية المجتمع دون استطلاع رأي أو نقاش.

وحذّر التحليل من أن استمرار هذا التطرف سيُرسخ انطباعاً دولياً بأن "إسرائيل" أصبحت غير عقلانية وغير متكافئة، مما يضر بعلاقاتها السياسية والاقتصادية؛ كما أن الإصرار على المعارك الأيديولوجية بالمواقع الدينية والتلويح بسيناريوهات الترحيل الجماعي والعنف الشديد سيعصف بالتوازن الداخلي الهش، ويُعمّق الانقسامات المجتمعية حول القيم والأهداف المشتركة وما يضحي "الإسرائيليون" بأرواحهم لأجله.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ الدكتور "ميخائيل ميلشتاين"، باحث أول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب"