ترجمة الهدهد

تتزايد مخاوف العزلة السياسية والاجتماعية في "إسرائيل" عقب انطلاق الرحلة الدموية والانتقامية التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر، حيث اندفع المجتمع طواعية إلى بناء "غيتو" جديد وتحصين النفس داخله.

ويُعيد هذا السلوك النفسي والسياسي تشكيل منظومة من الجدران والأوهام المماثلة لتلك التي شهدتها الأحياء اليهودية تاريخياً؛ حيث حظيت العزلة آنذاك بشعور وهمي بالأمان والارتياح النسبي بدعوى الحماية من المذابح الخارجية.

وتعتمد منظومة الأمان في هذا "الغيتو" العصراني على أدوات أمنية وتكنولوجية متقدمة، وفي مقدمتها منظومة "القبة الحديدية" في الجو و"الجدار الدفاعي" على الأرض، بما يمنع الاختراق الخارجي لكنه يفرض في الوقت ذاته حصاراً داخلياً يجعل الخروج منه أمراً معقداً.

وينعكس هذا الاختناق بوضوح في القطاع الجوي؛ إذ كشفت التطورات الأخيرة عن هشاشة الإجراءات الأمنية وتوقف شركات الطيران الأجنبية الكبرى عن القدوم، مما أدى إلى غياب المخرج والاعتماد الكامل على جشع الشركات المحلية، ليحل الشعور بالعزلة والاختناق محل الأمان المفترض في المطار.

وفي المقابل، تتجلى الفوارق الطبقية داخل هذا السجن الاختياري في سلوك النخبة السياسية والمقربين من الوزراء وأعضاء "الكنيست"؛ إذ يملكون وحدهم مفتاح الفرار المؤقت عبر تنظيم "مؤتمرات في الخارج" أو رحلات إلى "نيويورك" تحت ذرائع مختلفة مثل "دعم رئيس الوزراء".

وعلى العكس من ذلك، يواجه "الإسرائيليون" العاديون في رحلاتهم الخارجية موظفي استقبال ونوادل وسائقي تاكسي يظهرون العدائية تجاههم جراء الأهوال والجرائم التي يحاول الرأي العام الداخلي تجاهلها، ليواسي "الإسرائيليون" على أنفسهم بوعي زائف مفاده أن كل ما يتعرضون له مجرد "معاداة للسامية" لا مفر معها إلا بالعودة إلى التحصن داخل هذا "الغيتو".

ويتطرق الكاتب "يوسي كلاين" إلى خطورة الترويج لمفهوم "إسبرطة اليهودية والديمقراطية"، مؤكداً أنها مجرد وهم واهٍ وآلية نفسية غير قابلة للتحقق؛ إذ لا يمكن لـ "إسرائيل" أن تتحول إلى نموذج استبدادي أو تعيش معزولة كلياً عن العالم.

وتعود هذه الاستحالة إلى غياب أي خطوط ربط برية مع الجوار الجغرافي فيما يتعلق بشبكات الكهرباء والمياه والإمدادات، والاعتماد الكلي على طرق التجارة البحرية والجوية لاستيراد المواد الخام والأغذية والوقود والأدوية، مما يجعل الكيان عرضة للانهيار في حال فرض حصار بحري أو مقاطعة اقتصادية شاملة.

ويرى "كلاين" أن رؤية رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" للنموذج الإسبرطي لا يمكن أن تفرض إلا بقبضة من حديد ونظام استبدادي؛ نظراً لعدم استعداد أي مجتمع لخوض تقشف طوعي أو الوقوف أمام رفوف فارغة في المتاجر من أجل أوهام سياسية.

ويكشف هذا المسار عن أن الحشد داخل "الغيتو" لا يمثل مجرد وسيلة يتهرب بها "نتنياهو" من مسؤوليته المباشرة عن كارثة 7 أكتوبر المروعة فحسب، بل يشكل مدخلاً فعلياً نحو كارثة أكثر عمقاً وخطورة على مستقبل الكيان.

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "يوسي كلاين"