ترجمة الهدهد

في يوليو 2024، بلغت المفاوضات بشأن اتفاق تبادل الأسرى في قطاع غزة مرحلة فارقة؛ حيث طُرحت صيغة نالت موافقة كافة الأطراف، بمن فيهم رئيس الحركة يحيى السنوار تحت ضغط الوساطة القطرية والعمليات الميدانية، وضُمت ترتيبات مبتكرة للسيطرة على "محور فيلادلفيا" عبر أجهزة استشعار والتزامات مصرية، وسط مطالبات حثيثة من قيادات المؤسسة العسكرية وتعبئة واسعة من عوائل الأسرى، ورغم الاقتراب من التوقيع بحلول 27 يوليو، انفجر المسار برُمته ليطوي فرصة إيقاف الحرب مبكراً.

كواليس مقترح "لاهاي" وإلغاء مذكرات الاعتقال

وتكشف التسريبات عن تفاصيل غير معلنة تضمنتها المفاوضات لمعالجة الأبعاد القانونية الدولية؛ إذ أجرى ممثلون عن عوائل الأسرى اتصالات مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، "كريم خان"، للعمل على صيغة تتيح إلغاء مذكرات الاعتقال الموجهة ضد رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" ووزير جيشه "يوآف غالانت" في حال المضي قدماً نحو إحلال السلام، بالتوازي مع إلغاء مذكرات الاعتقال بحق قيادات حركة حماس (يحيى السنوار، محمد الضيف، وإسماعيل هنية) لإحداث توازن قانوني.

وتشير المصادر إلى أن موافقة "كريم خان" على المقترح جاءت في ظل اتهامات وتحقيقات أُثيرت ضده في المؤسسة الدولية بالتحرش الجنسي، حيث افترض وجود أصابع "استخباراتية إسرائيلية" خلفها، ورأى في تفاهمات الصفقة فرصة لتجاوز تلك الضغوط وإبراز دور المحكمة في التهدئة بعد استماعه لشهادات عدد من الناجين.

وعلى العكس من الرواية الرسمية التي سوّقت تراجع "بنيامين نتنياهو" تحت تهديد حلفائه "بتسلئيل سموتريتش" و"إيتامار بن غفير" بإسقاط الحكومة، تؤكد الحقائق المعروضة أن أزمة الائتلاف لم تكن سوى غطاء وتكتيك مناورة استخدمه رئيس وزراء العدو لإحباط المسار أمام إدارة "بايدن" وفريق التفاوض المقرب من الأجهزة الأمنية ("بارنيع"، "آلون"، و"بار").

فلم يكن "سموتريتش" ليتخلى عن مشروعه في الضفة الغربية، كما لم يكن "بن غفير" ليتنازل عن مكاسبه السلطوية.

وتقاطعت حسابات التعطيل مع أبعاد شخصية وسياسية وخارجية لدى "بنيامين نتنياهو":

توقيت مبكر وصدمة الجمهور:

جاءت الصفقة بعد تسعة أشهر فقط من اندلاع القتال، مما جعل قبولها بمثابة إعلان لإنهاء الحرب ودون تقديم صورة "النصر الكامل" الموعودة لجمهوره.

الحرج القانوني:

واجه صعوبة في تبرير تسوية تسقط عنه مذكرات الاعتقال بالتوازي مع قادة الحركة والمدعي العام.

الحسابات الأمريكية:

شهد يوليو 2024 انسحاب "بايدن" من السباق الرئاسي، ورفض "نتنياهو" تقديم هدية سياسية تعزز موقف الديمقراطيين ("بايدن" و"هاريس") على حساب حليفه "دونالد ترامب"، لينتظر الاستحقاق الأمريكي حتى أكتوبر 2025 بعد عودة "ترامب" للبيت الأبيض ليجبر لاحقاً على قبول إطار تفاوضي مختلف.

وتختتم القراءة باستعراض التحول الميداني والسياسي بعد ثلاث سنوات من المماطلة؛ فبينما يعزي "بنيامين نتنياهو" نفسه بتصفية قيادات الحركة ودفع واشنطن لمواجهة إقليمية مع إيران، تكشف الحقيقة على الأرض عن تعادل استراتيجي وتراجع حاد في مكانة الكيان الدولية وتكلفة باهظة دفعها الأسرى والمجتمع.

وتلخص الحملة الانتخابية لـ "الليكود" لعام 2026 هذا التراجع، بتتحول الشعارات الرسمية من الوعود الجازمة بـ "النصر الحاسم والكامل" في 2024، إلى شعارات انكماشية تكتفي بـ "لن نستسلم" أمام الواقع المستنزف.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"