ترجمة الهدهد

أصبح الصراع المحموم حول مكانة ودور النظام القانوني أحد أبرز القضايا المحورية التي تهيمن على الحملات الانتخابية والسجال السياسي، إلا أنه بعيداً عن هذا النزاع الحزبي المرير، تبرز حقيقة واقعة يعاني منها "الإسرائيليون" يومياً: لقد تحول النظامان القضائي والادعاء العام إلى رمز للبطء، والتعقيد، والتعثر الإداري.

والنتيجة المباشرة لهذا الوضع هي أزمة ثقة مزمنة ومعاناة عامة يتكبدها المتقاضون من مختلف الأطياف والشرائح، والذين يدفعون أثماناً باهظة عاطفياً ومالياً وعائلياً جراء المماطلة وتأخير البت في القضايا، مما يجعل الخطاب الغاضب ونظريات المؤامرة تجد آذاناً صاغية لدى الجمهور نتيجة الشعور بالإحباط والضيق.

ورغم أن رئيس المحكمة العليا "يتسحاق أميت" وصف السلطة القضائية، خلال حفل أداء اليمين للقضاة في مقر إقامة الرئيس قبل نحو شهر، بأنها "فريق مؤلف بالكامل من أفراد ذوي دوافع نبيلة كرّسوا خبراتهم لخدمة الجمهور وسط أزمات الجائحة والحرب"، فإن هذا التفاني ورأس المال البشري لا ينفيان وجود قصور هيكلي ومستمر؛ فـ "الإسرائيلي" الذي ينتظر قراراً قضائياً لسنوات لا تعنيه المصطلحات السياسية الفضفاضة كـ "أسس المعقولية" أو "بند التجاوز"، بل يبحث عن خدمة قانونية ناجزة وفعالة كان يمكن تحسينها عبر خطوات عملية وملموسة.

شبهات جنائية بلا حسم و"تعذيب قانوني" لـ "الإسرائيليين"

وفي هذا السياق، يسلط القاضي المتقاعد "مناحيم فينكلشتاين"، أمين المظالم المعني بالشكاوى العامة في النيابة العامة، الضوء على اختلالين حاسمين يتكرران باستمرار؛ الأول هو غياب إطار زمني ملزم اتخاذ القرارات في مختلف مراحل الإجراءات الجنائية، لا سيما في طلبات فتح التحقيق في القضايا الحساسة أو تلك المتعلقة بشخصيات عامة، حيث تتأخر الإجراءات في مكاتب النائب العام وأمين المظالم لأشهر وأحياناً لسنوات دون مبرر جوهري.

ويؤكد "فينكلشتاين" أن ترك الشبهات الحافة بأي شخص معلقة لفترة طويلة يُعد "تعذيباً قانونياً شديداً" يمس بسمعته وحقه في محاكمة عادلة، كما أن هذا التأخير يؤدي إلى تآكل الأدلة وفقدان المعروضات وإغلاق قضايا خطيرة، مما يترك ضحايا الجريمة بلا إنصاف ويفتح الباب للتكهن حول الانتقائية.

أما الاختلال الثاني فيكمن في تجاهل رد المؤسسة الرسمية على استفسارات "الإسرائيليين" الكتابية، حيث يتم تجاوز المهلة القانونية المحددة بـ 45 يوماً بشكل يتجاهل حقوق الأطراف ويزعزع ثقتهم بالعدالة، مما يستدعي تعديل قانون المفوضية لتوسيع صلاحياتها وفرض مواعيد نهائية صارمة.

سنوات من الانتظار في أروقة المحاكم وغياب الإشراف

من جانبه، يولي أمين المظالم للشكاوى القضائية "آشر كولا"، نائب الرئيس السابق لإحدى المحاكم الجزئية، أولوية كبرى لتقليص مدة الإجراءات والوقت المنقضي بين جلسات الاستماع وإصدار الحكم.

ويكشف "كولا" عن وجود آلاف القضايا التي يتأخر البت فيها لأكثر من ثلاث سنوات، ومئات القضايا التي تتجاوز خمس سنوات، بل وإن بعض "المحاكمات الإعلامية" استمرت لأكثر من عقد، مشيراً إلى أن الإجراءات تستغرق في البلاد ضعف المدة مقارنة بمعظم دول العالم.

ويستشهد "كولا" بكارثة "وادي تزافيت" التي وقعت قبل نحو تسع سنوات ولم يصدر فيها حكم نهائي حتى الآن، مما يضاعف معاناة الضحايا ويصيب المتهمين بتعذيب قانوني ويفرغ العقوبة من أثرها الردعي.

ويضيف أن نحو 90% من الشكاوى التي تعامل معها وكانت مبررة ارتبطت بتأخير إصدار الأحكام، حيث يتجاهل القضاة المهل القانونية المحددة (90 يوماً في الدعاوى المدنية العادية و30 يوماً في المستعجلة والجنائية) دون الالتزام بواجب الإبلاغ عن التأخير للرئيس المختص، معتبراً أن قانون الإجراءات الجنائية الذي ينص على عقد جلسات متتالية أصبح "حبراً على ورق" ويحتاج لإعادة صياغة شاملة مع تقليص الجلسات إلى يومين أو ثلاثة أسبوعياً لضمان الاستمرارية.

طروحات الإصلاح: تحديد مدد التحقيق والاعتماد على الذكاء الاصطناعي

وفي إطار البحث عن حلول، يرى رئيس لجنة الدستور في "الكنيست" "سيمحا روتمان" أن الاستمرار في عدم تحديد سقف زمني للتحقيقات يجعل المواطن تحت الشبهة لمدد غير محدودة، مشدداً على ضرورة سن قانون يحدد فترة زمنية قصيرة بين استجواب الشخص والقرار النهائي، بحيث لا تتجاوز سنتين في أعقد التحقيقات، للحد من الخسائر النفسية والمالية التي تزيد عن عقوبة الإدانة نفسها.

وفي ذات الشأن، يقدم المحامي "عفر بارتل" (من شركة "بارتل-كوهين") رؤية مفصلة تشمل:

  • تحديد مدد التحقيق الشرطي، وتفعيل مرحلة الفحص السري قبل الاستدعاء الرسمي.
  • وضع ضوابط زمنية للقاء المحامي بموكله، واعتبار الاحتجاز في ظروف غير إنسانية أو مكتظة سبباً للإفراج عن المتهم (باستثناء الجرائم الخطيرة).
  • تقليص فترة النيابة العامة لاتخاذ قرار الاتهام، وحصر مرافقة المحامين للتحقيقات لتجنب توحيد الجهود بين الشرطة والادعاء على حساب الحياد.
  • تقليل طلبات الحبس الاحتياطي، وإسناد إدارة القضايا المدنية لمكاتب محاماة خاصة لتقليص العبء.
  • تعيين أعداد إضافية من القضاة، وفرض غرامات باهظة على الأطراف التي تستغل الإجراءات وتتعمد الكذب أو التمطيط.

أما المحامي "نداف وايزمان" (من مكتب "ميتار")، فيشير إلى أن المنظومة تتعامل مع نحو مليون دعوى قضائية سنوياً يتابعها أقل من ألف قاضٍ.

ولكسر هذه الفجوة، يدعو إلى إلزام الطرف الخاسر بدفع التكاليف الحقيقية والفوائد المتأخرة لمنع رفع دعاوى وهمية، إلى جانب اتخاذ إجراءات جنائية صارمة ضد شهادات الزور. كما يطرح استغلال التكنولوجيا الحديثة عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم مقترحات تسوية أولية في الدعاوى البسيطة يراجعها مساعد قانوني، مما يتيح للقضاة التفرغ للنزاعات المعقدة فقط.

التحكيم الإلزامي وتطوير خدمات إدارة المحاكم

من جهتها، تصف المحامية "بيني روبين" (رئيسة مكتب "غورنيتسكي وشركاه") طول الإجراءات بـ "الوباء والمشكلة الهيكلية" الناتجة عن نقص القضاة والعبء الهائل، معتبرة أن هذا هو الإصلاح الفعلي والضروري خلافاً للمقترحات السياسية التي يقودها "ياريف ليفين" و"سيمحا روتمان".

وتطرح "روبين" -بناءً على خبرتها السابقة في "لجنة أور"- اعتماد "التحكيم الإلزامي" في النزاعات التجارية والتقصيرية في أوقات الأزمات، مع إيجاد محكمة استئناف تحكيمية، إضافة إلى فرز الالتماسات غير الضرورية المقدمة أمام "المحكمة العليا" وتقليص سلطاتها الاستشارية لتخفيف الضغط.

وفي ختام المشهد، تؤكد إدارة المحاكم عبر مديرها القاضي "تساحي عوزيل" اتخاذ خطوات متقدمة لتحسين جودة الخدمة، من بينها:

1.    تطوير الخط الساخن لمركز المعلومات القائم على الذكاء الاصطناعي لاستيعاب مليون مكالمة سنوياً وبتقديم إجابات سريعة وموحدة.

2.    تطبيق مشروع "الأمانة الاستباقية" لتجهيز الملفات والقضايا قبل انعقاد الجلسات لتقصير المهل.

3.    إدخال تقنيات التسجيل والإملاء الصوتية لتفريغ جلسات الاستماع آلياً وبدقة عالية، مما يضمن توفير الوقت القضائي لصالح نظر القضايا الجوهرية.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "توفا تسيموكي"