الضفة الغربية تحسم مصير "إسرائيل"
ترجمة الهدهد
حذّر الدكتور "ميخائيل ميلشتاين" من أن التدهور الدولي غير المسبوق والعزلة السياسية والاقتصادية التي تتجه نحوها "إسرائيل" لا ينبعان من الصدفة، بل يُحسم أسبابهما المباشرة في الضفة الغربية.
وأكد "ميلشتاين" أن الانتخابات المرتقبة تُشكل مفترق طرق تاريخياً سيتحدد من خلاله طبيعة الكيان ومستقبل وجوده السياسي والإقليمي، مشيراً إلى أن "المجتمع الإسرائيلي" يتهرب من مواجهة الحقيقة الجذرية المؤلمة بسبب التخدير الناجم عن النقاشات السياسية السطحية المليئة بالشعارات.
وأوضح "ميلشتاين" أن المسار الراهن نحو العزلة الشاملة يعود بالأساس إلى سياسات الضم التدريجي للضفة الغربية، والعمل الممنهج على دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار مع إغلاق الباب تماماً أمام أي أفق لتسوية سياسية، بالتوازي مع تصاعد موجات العنف غير المسبوقة من الجانب اليهودي المتطرف، والمشبعة بالأيديولوجية القومية والدوافع المسيحانية دافعةً واشنطن والمجتمع الدولي لإدارة ظهرهم لـ "إسرائيل".
"ثورة الاستيطان".. مشروع فئوي وتستر خلف شعارات "7 أكتوبر"
وفنّد "ميلشتاين" المشروع الأيديولوجي الذي يقوده "سموتريتش" تحت مسمى "ثورة الاستيطان"، موضحاً أنه يُمثل مخططاً فئوياً بامتياز تقوده وتفرضه أقلية ذات أبعاد يهودية على الأغلبية الساحقة من "الإسرائيليين" الذين لا يعبرون الخط الأخضر ولا يدركون حقيقة الممارسات الجارية هناك.
ورأى "ميلشتاين" أن القائمين على هذا المشروع يحاولون تسويقه كـ "مشروع وطني جامع" يستند إلى دروس 7 أكتوبر من خلال المطالبة بانتزاع الأراضي وتبرير السلوكيات التي تتنافى مع القيم والمبادئ، بما في ذلك العنف والنهب وتطبيع جرائم الحرب كـ "النقل الطوعي".
ولفت الدكتور "ميلشتاين" إلى أن ما يُخفى عن "الشارع الإسرائيلي" هو أن هذا النهج يفتقر إلى استراتيجية منهجية منظمة، بل يعبر عن رؤية أيديولوجية تسعى لإقامة دولة أكثر دينية وإعطاء ثقل أكبر لرأي المرجعيات اليهودية في قضايا الأمن والحكم.
وأشار إلى أن تحذيرات "بنتنياهو" للجمهور بشأن ضرورة الاستعداد لعصر العقوبات المصرفية الدولية واللجوء للعملات المشفرة للالتفاف عليها، ما هي إلا اعتراف ضمني بهذه التكاليف الباهظة التي تشمل انقساماً داخلياً حاداً حول القيم، وتدهوراً اقتصادياً وسياسياً، وتدميراً لفرص التطبيع الإقليمي والعلاقات مع الدول الصديقة.
استغلال الأزمات والمغامرات الأيديولوجية عشية الانتخابات
وفي سياق متصل، شدد "ميلشتاين" على أن الصوت المعذب والمجهد لكبار مسؤولي المستوطنين الذين يشتكون من أن "عنف شباب التلال" يسيء لصورة مشروعهم، ينطوي هو الآخر على تغييب للحقيقة؛ إذ لا يمكن فرض سيطرة مباشرة وطويلة الأجل على الملايين دون منحهم حقوقهم ودون تصاعد طبيعي للعنف.
وحذّر "ميلشتاين" من الاستغلال السياسي للأزمات قبيل الانتخابات، لا سيما مع إطلاق تصريحات تصعيدية تفتقر للأسس الاستخباراتية المتينة عقب الهجمات الأخيرة، كمطالبة "بنتنياهو" بشن عملية عسكرية واسعة في الخليل وإخلاء السكان على غرار مخيمات الشمال، ومساعي "سموتريتش" المستمرة لتوفير المبررات للإطاحة بالسلطة الفلسطينية.
وأضاف "ميلشتاين" أن "الإسرائيليين" ينساقون عملياً نحو فرض السيادة على الضفة الغربية الإطاحة بالسلطة الفلسطينية وابتلاع ثلاثة ملايين فلسطيني، تمهيداً لمغامرات أيديولوجية قائمة على الأوهام والاعتقاد بأن التفويض الإلهي كفيل بالنصر وأن رأي العالم لا قيمة له.
وحذّر من أن الاستمرار في شن حروب مستمرة على جميع الجبهات وتغذية التهديدات بروح "إسبرطة الخارقة" يحول "إسرائيل" إلى كيان منبوذ ومريب، يمزج بين العزلة والجمود على غرار كوريا الشمالية وألبانيا في عقود ماضية.
مفترق الطرق: بين أوهام "الخلاص" أو دولة تدرك حدود القوة
واختتم "ميلشتاين" تحليله بالتشديد على استجالة الحفاظ على دولة حديثة في القرن الـ 21 إذا كانت متجذرة في تطلعات "الخلاص" وبناء الهيكل وتطبيق الشرائع التوراتية، وأكد أن كل من يروج لإمكانية استمرار هذا النهج دون تكلفة إنما ينكر الواقع ويفتقر إلى الفهم السياسي لما يجري في العالم.
وأكد "ميلشتاين" أن هناك خياراً آخر ممكناً لـ "إسرائيل": أن تكون دولة قوية تدرك في الوقت ذاته حدود القوة وتستخدمها بدقة، وتكون مستعدة لإجراء حوار استراتيجي وسياسي عميق بدلاً من تقديس "العدوانية" والادعاء بالتوفيق الإلهي. وحذّر في النهاية من أن التشكيك المتزايد في شرعية المعارضين السياسيين واعتبار كل موقف مغاير خيانةً، يهدد بإنزلاق المجتمع نحو صراعات داخلية مريرة طالما جلب الدمار عبر التاريخ.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "د. ميخائيل ميلشتاين"، باحث أول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب".