ترجمة الهدهد

تكشف ميزانيات البنية التحتية الضخمة والمشاريع الكبيرة التي تُضخ في شمال الضفة الغربية عن مدى النفوذ السياسي والإداري الاستثنائي الذي يتمتع به رئيس المجلس الإقليمي "يوسي داغان".

وترى الصحفية "هاجاي أميت" أن تحركات "داغان" تجاوزت حدود الإدارة البلدية التقليدية لتجعله الفاعل الرئيسي والحاكم الفعلي لشمال الضفة، والمحرك الأساسي لفرض "السيادة الإسرائيلية" وإلغاء خيار الدولة الفلسطينية من التداول.

وترسم الصحفية مشهداً ميدانياً يختصر طبيعة هذه الاستثمارات؛ حيث تقف محطة حافلات "فيدويل" في جنوب غرب الضفة خالية تماماً، رغم افتتاحهما مؤخراً بتكلفة 10 ملايين شيكل، إلى جوار محطة "راحليم" التي بلغت كلفتهما 40 مليون شيكل.

وتأتي هذه المشاريع ضمن خطة خمسية لوزارة نقل العدو برئاسة "ميري ريغيف" ووزارة المالية بقيادة المتطرف "بتسلئيل سموتريتش"، خُصصت بموجبها مليارات الشواكل لتطوير الطرق وشبكات الأمان في منطقة لا يتجاوز عدد سكان مجلسها الإقليمي 50 ألف نسمة.

النفوذ داخل "الليكود": قاعدة تصويت حاسمة ومصالح تجارية

ويستند "داغان" في فرض أجندته إلى شبكة ضغط سياسي هائلة أسسها داخل حزب "الليكود" تحت اسم "الليكود الخاص بي"، والتي تضم آلاف الأعضاء المسجلين ولها مركز قوة في مدرسة "هار براخا" اليهودية.

وتمنح هذه الكتلة قاعدة تصويت صلبة لـ "داغان" قادرة على التوصية بأعضاء الكنيست والوزراء في الانتخابات التمهيدية، ما يجعل كبار المسؤولين في "الليكود" يسعون لنيل رضاه والتعاون معه، وفي مقدمتهم وزيرة النقل "ميري ريغيف" ووزير البناء والإسكان "حاييم كاتس".

ورغم علاقاته السياسية المعقدة السابقة مع رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" ووزير ماليته "بتسلئيل سموتريتش" -إذ يُنظر إليه داخل دائرة "نتنياهو" كشخصية مستقلة وغير قابلة للسيطرة- فإن فترة الحكومة الحالية مثّلت عصر ازدهار غير مسبوق لـ "داغان".

فقد نجح في استقطاب ميزانيات ضخمة، وإلغاء "قانون فك الارتباط"، وإعادة توطين بؤرة "إيفياتار"، والمضي قدماً في شرعنة عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة والتأثير المباشر على قرارات جيش العدو في المنطقة.

"دبلوماسية الاستيطان": اختراق الكونغرس والترويج الدولي

لا تتوقف جهود "داغان" عند الحدود المحلية، بل تقود تحركاته "دبلوماسية موازية" تهدف لانتزاع اعتراف دولي بالاستيطان.

فقد نجح في تأسيس "جماعة الضغط من أجل الضفة الغربية" في الكونغرس الأمريكي بالتعاون مع عضوة النواب "كلوديا تيني"، و"مجموعة الصداقة" في البرلمان الأوروبي ببروكسل.

كما قام بزيارات مكثفة إلى العديد من العواصم، والتقى بشخصيات دولية بارزة كالرئيس الأرجنتيني "خافيير ميلي" ونائب رئيس الوزراء الإيطالي "ماتيو سالفيني"، فضلاً عن زيارته لمنتجع "مارالاغو" التابع لـ "دونالد ترامب".

وتركز استراتيجيته الدولية على بناء علاقات متينة مع قادة الكنائس الإنجيلية والواعظين الأمريكيين المقربين من "دونالد ترامب"، مثل "ماريو بريمنيك" و"باولا وايت" و"مسعد بولس"، لتأمين تبرعات مالية طائلة للمستوطنات وصياغة قوانين في واشنطن تمنع استخدام مصطلح "الضفة الغربية" في الأدبيات الرسمية.

ويرى مسؤولو وزارة خارجية العدو أن هذه الدبلوماسية الموجهة نحو صناع القرار والميزانيات نجحت في خلق خط دفاع أمني وسياسي لصالح مشروع الضم.

تداعيات ميدانية: تضييق على الفلسطينيين وتحديات التقييم البلدي

وعلى الأرض، تُترجم سياسات "داغان" الميدانية إلى واقع معقد؛ حيث أدى التوسع العمراني للمستوطنات والبؤر العشوائية إلى خنق التمدد الطبيعي للقرى الفلسطينية المجاورة وإغلاق الطرق الفاصلة بينها بكتل خرسانية.

بالتوازي مع ذلك، يتهم مراقبون محليون "داغان" باستغلال إعادة التوزيع الجغرافي للمجالس للتخلص من الكتل الانتخابية المعارضة له، مشيرين إلى أن هذا النمو لم ينعكس بالضرورة على جودة حياة السكان المحليين؛ حيث تراجع التصنيف الاجتماعي والاقتصادي للمجلس الإقليمي "شمرون" في السنوات الأخيرة.

ويرى ضباط ومحللون بجيش العدو -عملوا معه- أن "داغان" -الذي يجمع بين اللباقة الخارجية والتطرف الأيديولوجي- يتعامل مع أحداث 7 أكتوبر باعتبارها فرصة تاريخية لتسريع وتيرة فرض الواقع الجديد.

واستغلالاً لتأثيره النافذ، يستمر "داغان" في إبرام اتفاقيات التعاون الثقافي والاقتصادي -مثل توأمة مجلسه مع بلدة "غريت نيك" في نيويورك- مؤكداً أن كل خطوة تجارية أو بلدية صغيرة، إنما هي حجر أساس نحو الهدف الأسمى: تثبيت "السيادة الإسرائيلية" الكاملة على الضفة الغربية.

المصدر: صحيفة "ذا ماركر"/ "يوسي داغان"