شبكة الهدهد

صورة المعطيات: صباح 28 أكتوبر 2026، آخر تحديث تفصيلي للفرز عند 07:58 بتوقيت القدس؛ الأرقام غير نهائية.

مقدمة

أفرزت انتخابات الكنيست الـ 26 والتي جرت أمس الثلاثاء 27 أكتوبر، تغيراً واضحاً في حجم المشاركة وتركيبة القوة البرلمانية، من دون أن يظهر صباح الأربعاء معسكر قادر بمفرده على تشكيل الحكومة.

فقد وصلت نسبة التصويت إلى 77.7%، مقابل 70.63% في انتخابات 2022، وسط ارتفاع لافت في مشاركة الناخبين العرب. وبذلك انتقلت المنافسة التي دارت طوال الأسابيع الماضية حول "بنيامين نتنياهو" و"غادي آيزنكوت" إلى معركة أخرى: من يستطيع تحويل المقاعد إلى اتفاق سياسي؟

وعند الساعة 07:58 صباح 28 أكتوبر، وبعد استلام نتائج 57.3% من الصناديق، أظهرت أرقام الفرز الجزئي 55 مقعداً لمعسكر نتنياهو، و49 للأحزاب الصهيونية المعارضة له، و16 للقائمتين العربيتين، موزعة بين المشتركة ورعام. ويتصدر الليكود بـ27 مقعداً، يليه حزب يشار بقيادة "آيزنكوت" بـ21، هذه ليست النتائج الرسمية النهائية؛ فما زالت أصوات ومناطق لم تُدرج كلها، كما تنتظر المظاريف المزدوجة اكتمال عدها.

معركة الـ 61 مقعداً

منحت عينات القنوات التلفزيونية ليلة الاقتراع صورة شديدة التباين. ففي القياسات الأولية عند إغلاق الصناديق أعطت كان 11 والقنوات 12 و13 "معسكر نتنياهو" 50 مقعداً، في حين منحته "القناة 14" 60 مقعداً، وi24NEWS  "55 مقعداً".

وفي المقابل توزعت مقاعد المعارضة الصهيونية بين 43 و53، والأحزاب العربية بين 16 و18. ثم جاءت تحديثات العينات والفرز الفعلي بأرقام مختلفة، ويبلغ متوسط العينات الأولية الخمس 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو و50 لمعارضيه الصهيونيين و17 للعرب، لكنه يخفي فروقاً كبيرة بين القنوات، ولذلك لا يصلح لإعلان نتيجة حاسمة.

والتطور السياسي الأهم أن "معسكر نتنياهو" بقي، في التحديث الجزئي، على بعد ستة مقاعد من 61، مقابل حاجة المعارضين الصهيونيين إلى 12 مقعداً. أما جمع مقاعد هؤلاء مع مقاعد المشتركة ورعام في رقم واحد، فيعطي 65 مقعداً حسابياً، لا ائتلافاً حكومياً. فرئيس "حزب إسرائيل بيتنا" "أفيغدور ليبرمان" رفض دعم حكومة أقلية تعتمد على امتناع الأحزاب العربية، كما اعترض "نفتالي بينيت" على هذا المسار. ولا يستطيع تقدم يشار على أحزاب المعارضة الأخرى إزالة هذه العقدة وحده.

داخل المعسكرات

يدخل "نتنياهو" المشاورات وهو يقود الحزب الأكبر وكتلة تعتمد على "الليكود" و"شاس" و"يهدوت هتوراة" و"عوتسما يهوديت" و"الصهيونية الدينية"، "زيهوت"، لكن الأحزاب الحريدية تضع ملف إعفاء طلاب المعاهد من التجنيد في مقدمة شروطها، وقد طالب بعضها بسن الترتيب قبل المصادقة على حكومة جديدة. وفي كلمة بعد إعلان العينات، دعا نتنياهو إلى تشكيل «حكومة وطنية يمينية قوية»، من دون عرض اتفاقات إضافية تضمن بلوغ الأغلبية المطلوبة.

أما "آيزنكوت" رئيس الأركان الأسبق ورئيس يشار، فقد تحدث عن رفض الناخبين لاستمرار "حكم نتنياهو،" وحذر من إخضاع الأمن للمصالح السياسية. لكنه يواجه اختلافاً بين حلفائه: فـ "بينيت" و"ليبرمان" يمثلان تيارين يمينيين يعارضان "نتنياهو"، بينما يقود "يائير غولان" حزب الديمقراطيين، الأكثر انفتاحاً على الاعتراف بالدور البرلماني العربي، ولا توجد حتى صباح الأربعاء دلائل موثقة على انشقاق من الليكود أو اتفاق على ضم "بينيت" أو "ليبرمان" إلى "حكومة نتنياهو" وما يطرح بشأن ذلك لا يزال سيناريو سياسياً يتطلب وقائع تفاوض معلنة.

"إسرائيل" تتحول

كشفت صناديق الاقتراع عن مجتمع ذي تعبئة عالية، لكن منقسم بشأن القيادة ومعنى الأمن والعلاقة بين الدين والدولة. وأبلغ الجيش عن مشاركة 79.9% من أفراده، بزيادة 6.2 نقاط مئوية عن الدورة السابقة، ولم تكشف هذه النسبة اتجاه تصويت العسكريين، لذا يظل التعويل المسبق على المظاريف المزدوجة لمصلحة أي معسكر استنتاجاً غير مسند، وسيحدد الفرز اللاحق مقدار أثر هذه الأصوات على الفارق بين القوائم المتقاربة.

وتعود قضية تجنيد الحريديم إلى قلب المفاوضات، إلى جانب المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر 2023، والجدل القضائي وأعباء سنوات الحرب. وأظهر استطلاع نشره معهد الديمقراطية الإسرائيلي قبيل الانتخابات أن 72% من اليهود يؤيدون قانون تجنيد متساوياً، وأن نسبة مماثلة تطالب بلجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر.

غير أن اختلاف الكتل بشأن هذين الملفين يجعل ترجمة المزاج العام إلى سياسة حكومية متفق عليها أمراً خاضعاً لترتيب التحالفات، لا لمجرد تأييد الاستطلاعات.

المؤشر العربي

كان الحضور العربي من أبرز متغيرات يوم التصويت، ففي أم الفحم وصل الإقبال عند الثامنة مساءً إلى 70.1% مقارنة بـ38.3% في 2022، وفي سخنين بلغ 83.5%، وفي كفر قاسم 81.3%، وفي رهط 79.8%.

هذه نسب محلية وليست تقديراً نهائياً لمشاركة جميع فلسطينيي الـ 48، لكنها تفسر جزئياً لماذا منحت العينات المشتركة ورعام بين 16 و18 مقعداً، بعدما كان تمثيلهما مجتمعين عشرة مقاعد في الكنيست السابق، أما الفرز الجزئي فوزع مقاعدهما على 12 للمشتركة وأربعة لرعام، مع بقاء احتمالات التغيير مفتوحة.

ولا تختزل هذه المشاركة في مهمة ترجيح رئيس حكومة يهودي؛ فقد كانت الجريمة والأمن الشخصي والحقوق المدنية والميزانيات والحرب على غزة من ملفات الحملة الأساسية، كذلك تحدثت رعام يوم الاقتراع عن تعطيل التصويت في عرعرة النقب عقب انقطاع الكهرباء وتدخل الشرطة، وتبقى هذه رواية حزبية تحتاج إلى تحقيق، بينما أكدت لجنة الانتخابات قواعد التعامل مع أوراق الاقتراع المتضررة وتوثيق أي استبعاد للأصوات. ولا توجد في هذه البيانات أدلة كافية على تزوير شامل للنتائج.

فلسطين والانتخابات

بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تعني منافسة "نتنياهو" و"آيزنكوت" اختلافاً شاملاً بشأن غزة. فقد دافع "نتنياهو" عن استمرار القوة العسكرية الإسرائيلية ورفض الدولة الفلسطينية، بينما انتقد "آيزنكوت" نتائج إدارة الحرب مع تمسكه بتفكيك القدرات العسكرية لحماس ومعارضته قيام دولة فلسطينية، -وفق رويترز-. ولهذا ينبغي قياس أي تغيير قادم بقرارات تتعلق بوقف العمليات والمساعدات والإعمار وإدارة المعابر والوجود العسكري في القطاع، لا بمجرد تغير رأس الحكومة

وفي الضفة والقدس المحتلة، يظهر تباين بين موقف "آيزنكوت" المعلن تجاه إزالة بؤر غير مرخصة، وبين الدفع الاستيطاني والضم لدى قوى "الصهيونية الدينية"، مع استمرار الاتفاق بين تيارات كبيرة على أولوية السيطرة الأمنية للعدو، وإذا عاد "بن غفير" و"سموتريتش" إلى حكومة "نتنياهو"، فإن دورهما في السياسات الاستيطانية والأمنية سيبقى موضوعاً مباشراً للمفاوضات.

أما حكومة يقودها معارضون لـ "نتنياهو" فلا يمكن افتراض أنها ستنقل الصراع تلقائياً إلى مسار تسوية سياسية؛ فذلك يحتاج برنامجاً صريحاً وقرارات قابلة للتحقق.

الإقليم والاقتراع

دخلت إيران سريعاً إلى حسابات ما بعد الاقتراع. فقد تحدث "نتنياهو" في خطابه عن فرصة تاريخية مشتركة مع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لمواجهة ما يعتبره التهديد الإيراني، في حين اتهمه "آيزنكوت" بتسييس الأمن.

كما نسب ترامب إلى دعمه العلني لـ "نتنياهو" أثراً في تقارب النتائج؛ وهذا ادعاء سياسي لا يثبت سببياً أثر ذلك الدعم على اختيارات الناخبين، وترددت تقارير عن احتمالات تصعيد إقليمي، لكن لم يُعلن حتى وقت إعداد التقرير قرار رسمي بعملية عسكرية جديدة أو اتفاق على حكومة طوارئ.

معركة الحكومة

سيجري رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ مشاورات مع الكتل بعد اعتماد النتائج، ثم يكلف عضو كنيست يراه قادراً على تشكيل حكومة، ولا يقضي القانون بأن تكون المهمة لرئيس الحزب الأكبر بالضرورة، وتبدأ للمكلف مهلة 28 يوماً مع إمكان تمديدها 14 يوماً، ثم تُبحث مسارات تكليف أخرى في حال الإخفاق، وحتى قيام حكومة جديدة، تستمر الحكومة القائمة بحكم مبدأ الاستمرارية، وهو ما يمنح نتنياهو موقعاً مؤسسياً مهماً في حالة الجمود.

تدور الخيارات المتداولة حول حكومة يمينية تستكمل العدد المطلوب من خارج "كتلة نتنياهو"، أو حكومة بقيادة "آيزنكوت" تتجاوز الخلاف بشأن مشاركة العرب، أو تفاهمات جزئية مع الحريديم، أو وحدة وطنية تحتاج تراجعاً عن تعهدات متبادلة، كما يمكن أن تظهر محاولة لتغيير رئاسة الكنيست أو إنشاء حكومة أقلية انتقالية، لكن أياً من ذلك لا يتحقق بمجرد جمع المقاعد، وفي حال أخفقت التفاهمات، يظل إجراء انتخابات أخرى احتمالاً دستورياً لا نتيجة معلنة.

تطرح نتائج هذا الصباح أيضاً سؤالاً بشأن الكنيست نفسه، لا الحكومة وحدها. فالأغلبية البرلمانية المتوافقة على تغيير رئيس الكنيست قد تختلف عن الأغلبية الراغبة في التصويت لمنح الثقة لحكومة جديدة.

وبحسب القواعد الدستورية، لا يؤدي مجرد تغيير رئيس الكنيست إلى إنهاء ولاية رئيس الوزراء؛ فهو إجراء برلماني يعيد توزيع النفوذ على إدارة جدول الأعمال واللجان، لذلك فإن تداول اسم "يائير لابيد" في حسابات رئاسة الكنيست يظل طرحاً سياسياً يحتاج إلى اتفاق عملي، ولا يساوي انتقال السلطة التنفيذية.

وينبغي كذلك الانتظار قبل وصف ارتفاع مشاركة فلسطينيي الـ 48 بأنه منح كتلة معارضة بعينها تفويضاً موحداً، فالقائمة المشتركة ورعام تتنافسان على قواعد مختلفة وتمثلان أولويات متنوعة، وقد يختار نوابهما دعم قرارات محددة ورفض المشاركة في حكومة أو العكس وفق البرنامج المقترح.

وتعني هذه الحقيقة أن معركة تشكيل الحكومة ستكشف ليس فقط من يستطيع الحصول على أكبر عدد من الأصوات، وإنما مدى استعداد الأحزاب الإسرائيلية للاعتراف بالتمثيل السياسي للمجتمع العربي وإدراج قضايا الأمن الشخصي والحقوق والموارد في اتفاقات الحكم.

الخلاصة: تغير حجم المشاركة والمشهد العربي، لكن معركة 61 لم تحسم. يكشف الفرز الأولي عن قوة الليكود وعمق الانقسام حول الشركاء والشرعية.