ترجمة الهدهد

تتضح معالم المأزق السياسي المتأزم من خلال تحليل المشهد الذي أعقب إحدى المحطات الانتخابية البارزة، حيث ألقى "بنيامين نتنياهو" خطاباً بدا فيه وضعه السياسي أقوى مما أظهرته نتائج استطلاعات الرأي الأولى، غير أنه أخفق في نيل الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة في أغلب تلك المؤشرات.

وقد خصص جلّ كلمته للحديث عن الحرب لمواجهة التهديد الإيراني واستعراض إنجازاتها، متجاهلاً تقديم إجابات واضحة بشأن آلية تشكيل الحكومة المقبلة حال شُكّلت.

وفي ختام الخطاب، أطلق نداءً مقتضباً دعا فيه إلى وحدة الأغلبية الصهيونية، وهو كل ما تبقّى من محاولات الترويج لحكومة وحدة واسعة سعت إليها الحملة طوال فترتها تقريباً، إذ غاب أي طرح عملي دقيق أو توجيه نداء مباشر لقادة كتلة التغيير، مما جعل الخطاب يبدو وكأنه إعلان رسمي عن انطلاق حملة حزب "الليكود" لجولة انتخابية جديدة.

وتفسّر الخريطة السياسية التي تكشفت تدريجياً هذا الاختيار؛ فقد منحت العينات الأولى الأفضلية لكتلة التغيير، قبل أن تحسن التحديثات اللاحقة موقع "بنيامين نتنياهو" وتستبعد إمكانية قيام حكومة أقلية يرأسها "غادي آيزنكوت".

وفي التحديثات الصادرة عن قناة "News 12"، حصدت معسكرات "بنيامين نتنياهو" 52 مقعداً، مقابل 49 مقعداً لكتلة التغيير و19 مقعداً للأحزاب العربية، بينما منحت قناة "14" كتلة "بنيامين نتنياهو" 62 مقعداً دون إشارات مطابقة من باقي العينات.

ورغم خروج "بنيامين نتنياهو" بصورة قوية على رأس حزب "الليكود" وكتلة اليمين، إلا أنه افتقر لأي مسار واضح لتحويل هذه النتائج إلى ائتلاف حكومي، تماماً مثل "غادي آيزنكوت" الذي يعجز بدوره عن إيجاد مخرج مماثل في هذه المرحلة، ليستمر المأزق رغم تغير موازين القوى.

من جهة أخرى، تكتسب الإشارة المقتضبة التي وجهها "بنيامين نتنياهو" نحو الوحدة أهمية بالغة، إذ اكتفى بالقول: "على الأغلبية الصهيونية أن تعود إلى رشدها وتتحد"، من دون تحديد الأطراف المعنية بهذا الاندماج أو الإفصاح عن شروطه، متجنباً ذكر شخصيات مثل "غادي آيزنكوت"، أو "نفتالي بينيت"، أو "أفيغدور ليبرمان"، وممتنعاً عن عرض أي شراكة فعلية عليهم.

لقد ترك "بنيامين نتنياهو" فكرة حكومة الوحدة غامضة ودون دفع التكاليف السياسية لمقترح جاد، مُفضلاً تركيز خطابه على الحملة ضد إيران لترسيخ صورته كقائد أمني، وهي رسالة تُسعفه حتى لو انزلقت "إسرائيل" نحو انتخابات متجددة تفرض عليه إقناع الشارع مجدداً بتفويضه في منصبه.

تواجه مساعي تشكيل حكومة وحدة وطنية عقبات ضخمة، تمثلت في تعهدات "غادي آيزنكوت" الصارمة بعدم الجلوس تحت رئاسة "بنيامين نتنياهو" وصولاً إلى التلويح بالاستقالة حال نكثه بذلك، وهو الموقف الذي جدده بالقول: "كان على القائد الحقيقي أن يستقيل في ذلك اليوم"، إلى جانب التعهدات المشابهة لكل من "نفتالي بينيت" و"أفيغدور ليبرمان".

وتتطلب هذه الحكومة تراجع شخصيات قيادية عديدة عن مواقفها العلنية والتوافق حول رئاسة الحكومة ونظام التناوب، وهو ما يصعب على "بنيامين نتنياهو" قبوله بسهولة بوصفه زعيم الحزب الأكبر، فضلاً عن تطلب الأمر توضيح مصير شركائه الحاليين في أي اتفاق مرتقب.

ولا تبدو الخيارات البديلة لتشكيل الحكومة أقل تعقيداً؛ إذ يستطيع "بنيامين نتنياهو" محاولة استقطاب منشقين عن كتلة التغيير، لكنه يفتقر إلى الأغلبية المطلوبة باستثناء أصوات ضئيلة، ما يجعله بحاجة لكتلة وازنة تقبل بتجاوز خطوطها الحمراء.

في المقابل، يواجه "غادي آيزنكوت" تحدي هندسة ائتلاف محتمل يعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو الطرح الذي يصطدم بمعارضة شركائه وفي طليعتهم "أفيغدور ليبرمان".

ورغم دعوة الأخير لأعضاء حزب "الليكود" للانتفاض ضد "بنيامين نتنياهو"، فإن انضمام عدد محدود من أعضاء "الكنيست" لن يحسم بالضرورة معضلة الأغلبية العددية، مما يترك "بنيامين نتنياهو" مستفيداً من ميزة البقاء في منصب رئيس الوزراء المؤقت في ظل تعذر تشكيل أي حكومة جديدة.

تستمر التحديات أمام "غادي آيزنكوت" في إثبات قدرته على توحيد الأطراف الساعية لإزاحة "بنيامين نتنياهو" رغم انقساماتها، بينما يمارس الأخير مهامه من منصبه الرسمي، وإن كانت حكومة تصريف الأعمال لا تمنحه السيطرة المطلقة داخل "الكنيست".

فنجاح الخصوم في حشد أغلبية برلمانية قد يتيح لهم إطاحة رئيس "الكنيست" "أمير أوحانا" والدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق حكومية في أحداث السابع من أكتوبر، وهي خطوات تشترط تعاوناً وثيقاً بين قوى تعجز حالياً عن الاتفاق على صيغة ائتلافية مشتركة.

ويبقى الجزم بانطلاق الانتخابات الجديدة سابقاً لأوانه في ظل تأجيل فرز الأصوات المزدوجة وانتظار النتائج النهائية التي قد تعدل توزيع المقاعد، وسط تقديرات يمينية بإمكانية الحصول على مقعد إضافي قد يصب لصالح "غادي آيزنكوت".

وطالما غابت الأغلبية الواضحة عن المعسكرين، فإن هذه التحولات ستقتصر على التأثير في ميزان القوى وفرص التوصية أمام الرئيس "إسحاق هرتسوغ" دون حل جذري لعقدة تشكيل الحكومة، حتى لو حاول "إسحاق هرتسوغ" هندسة تسوية تمنع التوجه لصناديق الاقتراع مجدداً في ظل رفض الأطراف للجلوس معاً.

وأمام هذه المعطيات، كان بمكانة "بنيامين نتنياهو" استغلال خطابه لعرض مبادرة صريحة للوحدة تلقي بالمسؤولية على خصومه حال رفضهم، لكنه آثر تأجيل الخطوة -ربما لمرحلة المشاورات الرئاسية اللاحقة لظهور النتائج الدقيقة- أو قناعةً منه بجدوى تفادي حل وسط مصيره الرفض.

وبينما غاب الوضوح عن خططه لتشكيل الحكومة واقتصر حديثه على الإنجازات الأمنية، فمن المرجح أن تظل هذه الرسائل هي العنوان الأبرز لأي حملة انتخابية مقدِمة في "إسرائيل" و"تل أبيب".

المصدر: صحيفة "معاريف" / "آنا بارسكي"