ترجمة الهدهد

قبل أيام قليلة من الانتخابات، أطلق رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" وعوداً غريبة لـ "الإسرائيليين" بالتحول إلى اقتصاد يقوم بالكامل على العملات الرقمية، وهي خطوة تعني فعلياً ضياع مدخراتهم المصرفية ومعاشاتهم التقاعدية وتحويلهم إلى معدمين.

هذا الوعد الصادم صدر عن نفس رئيس الوزراء الذي شهدت فترة ولايته "كارثة 7 أكتوبر"، والتي دفعت الانقسام الداخلي والكراهية إلى مستويات غير مسبوقة، وأهوت بمكانة "إسرائيل" على الصعيد الدولي إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق.

وعلى الرغم من أن الحقائق تشير إلى فشل "نتنياهو" الذريع في كافة المجالات خلال السنوات الأربع الماضية، إلا أنه أنهى الانتخابات مجدداً باعتباره زعيماً لأكبر حزب في "إسرائيل"، خاسراً بضعة مقاعد معدودة لا أكثر.

يثير هذا المشهد مقارنة حتمية ومؤلمة مع موقف "غولدا مائير" عام 1974؛ فبعد إخفاق حرب أكتوبر 1973، قادت "مائير" تحولاً عسكرياً استراتيجياً خلال 19 يوماً فقط، ورغم فوزها بـ 51 مقعداً في الانتخابات اللاحقة وتشكيلها لجنة تحقيق حكومية لم توصِ بعزلها، إلا أنها رضخت للضغط الشعبي واستقالت من تلقاء نفسها إثر خروج اليسار إلى الشوارع مطالبين بمحاسبتها.

ومن هنا يبرز السؤال الملح: لماذا يُتوقع تلقائياً من ناخبي اليسار مطالبة قادتهم بالمسؤولية ودفع ثمن الإخفاقات، بينما يكتفي ناخبو اليمين بالالتفاف المطلق حول قادتهم مهما بلغت جسامة الأخطاء؟

يجيب البروفيسور "إيال بنفنيستي"، رئيس مركز البحوث التطبيقية حول مخاطر الديمقراطية في جامعة "تل أبيب"، بأن هذا "الالتفاف الأعمى" يُجرّد الديمقراطية من إنسانيتها وجوهرها.

ويوضح "بنفنيستي" أن الديمقراطية تقوم أساساً على التداول السلمي للسلطة لضمان تركيز الحكومة دائماً على خدمة المواطنين، لكن هذا المنطق ينهار تماماً عندما يتحول الناخبون إلى "موالين للحزب" أكثر من كونهم "إسرائيليين" أحراراً.

ويشير إلى أربع فئات رئيسية في "المجتمع الإسرائيلي" – والحريديم، والأحزاب العربية، والصهاينة المتدينون، وناخبو حزب "الليكود" – يعتمد تصويتهم كلياً على الانتماء الفئوي، "إلى أن يصبح الحزب بمثابة البيت والهوية"، وحين يكون الحزب في السلطة، فإنه يكرس جهوده لرعاية أبناء فئته حصراً على حساب المصلحة العامة، مما يضاعف من درجات الولاء الأعمى له.

وتؤكد الباحثة "شاني شنيتزر" من نفس المركز على دور "ضغط الجماعة" والتأثير الداخلي، مشيرة إلى أن حزب "الليكود" يخوض معارك ضارية لتحفيز الناخبين غير المشاركين عبر أدوات تكنولوجية مثل تطبيق "إليكتور"، موضحة أن "عندما يكون الانتماء الحزبي جزءاً من هوية الناخب، فإنه يشعر بتناقض داخلي عميق إذا فكر في مجرد تغيير صوته".

وراء هذه القبلية السياسية يكمن عالم بديل قائم على ثنائية "نهم ضدكم"؛ فبينما تسيطر المؤسسات اليهودية والتعليمية والحاخامية على وعي المجتمع الحريدي، استمر "نتنياهو" في تغذية الانقسامات الطائفية والعداء للنخبة الأشكنازية عبر أدوات إعلامية بارعة، أبرزها شبكات التواصل الاجتماعي والاعتماد على قنوات مثل "القناة 14" لنشر خطاب الاستقطاب ونزع الشرعية بشكل ممنهج عن وسائل الإعلام الرئيسية، لضمان حجب الحقائق الأخرى عن أتباعه.

ولا يقل النظام التعليمي خطورة عن الإعلام في تشكيل هذه الذهنية؛ إذ تشير الدكتورة "تامي هوفمان" من "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" إلى تقليص حصص التربية المدنية لتقتصر على ثماني ساعات دراسية فقط طوال المرحلة الثانوية، مقابل تخصيص ميزانيات ضخمة لبرامج الثقافة اليهودية.

والأكثر خطورة هو انسحاب "إسرائيل" منذ مطلع الألفية الثانية من الدراسات الدولية لتقييم الوعي الديمقراطي، مما أدى إلى غياب أي بيانات رسمية حول مستويات هذا الوعي لدى الطلاب لعشرين عاماً كاملة.

 

وقد كشفت دراسة ميدانية حديثة أجراها البروفيسور "أورين بازموني-ليفي" على 4500 طالب، أن الوعي الديمقراطي يشهد تداعيات خطيرة حتى في المدارس الرسمية؛ إذ تبيّن أن 15% فقط يعتبرون أنفسهم ديمقراطيين، و13% ذوو ميول سلطوية، بينما انقسم البقية بين مترددين (48%) ومتناقضين (28%) يربطون أهمية الديمقراطية بضرورة وجود "قائد قوي يتجاوز سيادة القانون".

وأظهرت النتائج أن غالبية الطلاب لا يدركون أهمية التعددية الحزبية، لتختزل الديمقراطية في نظرهم إلى مجرد حرية اختيار زعيم والولاء المطلق له، كما أثبتت الدراسة أن دروس التربية المدنية التقليدية لا تأتي بنتيجة، بينما الوسيلة الوحيدة التي أثبتت نجاعتها في مضاعفة النسبة الديمقراطية بين الطلاب هي "تشجيع الحوار السياسي الحر والنقاش النقدي داخل الصف"، وهو أمر تحظره وزارة التعليم بشدة تحت طائلة فصل المعلمين.

يخلص الخبراء إلى أن علاج هذا الخلل البنيوي يتطلب تغييراً ثقافياً عميقاً يستغرق جيلاً كاملاً، عبر الانتقال إلى تجارب عملية مثل "مجالس الإسرائيليين" لدمج الفئات المعزولة واتخاذ القرارات معاً.

ويحذر "بنفنيستي" وبازموني-ليفي من أن الوقت يداهم "المجتمع الإسرائيلي" قبل أن يخسر جيلاً كاملاً لصالح النزعات السلطوية والقبلية الحزبية.

المصدر: صحيفة "ذا ماركر"/ "ميراف أرلوزوروف""