شبكة الهدهد

لم تُحدث الساعات الأخيرة تغييراً في مقاعد انتخابات "الكنيست" التي جرت في 27 أكتوبر، لكنها نقلت المواجهة إلى مرحلة أكثر تحديداً، كيف يمكن استخدام الكنيست قبل الاتفاق على تشكيل حكومة؟ فقد أعلن رئيس حزب "يشار" ورئيس أركان جيش العدو الأسبق "غادي آيزنكوت" مساء السبت أنه سيعمل فورا على تفعيل الأغلبية النيابية لإقامة لجنة تحقيق رسمية في هجوم 7 أكتوبر 2023، ومراجعة التشريعات القضائية، ودفع قانون للتجنيد. وفي المقابل، قدّم النائب العربي أحمد الطيبي عرضا لمساندة عدد من هذه الخطوات من خارج الحكومة.

وتحسم الأرقام الجدل بشأن الفائز الأول من دون حسم من يحكم: حصل حزب الليكود بزعامة رئيس حكومة العدو "بنيامين نتنياهو" على 27 مقعدا، لكن مجموع حلفائه توقف عند 53 من أصل 120.

وبلغ معسكر الأحزاب اليهودية المعارضة بقيادة "آيزنكوت" 48 مقعداً مقابل 19 للقائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة. وهذه نتائج الفرز المكتمل المعلنة إعلاميا، فيما يُنتظر إشهار النتائج قانونياً بحلول 4 نوفمبر، قبل انعقاد الكنيست الجديد يوم العاشر منه.

معركة الـ61

يحتاج "نتنياهو" إلى ثمانية مقاعد للوصول إلى 61. وحتى إضافة سبعة مقاعد "إسرائيل بيتنا" بقيادة "أفيغدور ليبرمان" لا ترفع مجموعه إلا إلى 60، فضلاً عن أن "ليبرمان" أعلن رفضه الجلوس مع "نتنياهو" والأحزاب الحريدية. وإذا افترضنا انضمام جناح "نفتالي بينيت"وحده، المقدر بسبعة مقاعد من قائمة "بياحد" المشتركة مع "يائير لبيد"، لا تتحقق الأغلبية أيضا. أما ضم القائمة كلها ذات المقاعد  الـ12، فهو فرضية مختلفة تحتاج إلى قبول "بينيت" و"لابيد"، ولا يوجد اتفاق موثق عليها.

في الجهة الأخرى، يملك معارضو "نتنياهو" من غير الأحزاب العربية 48 مقعدا. ويصل مجموعهم مع المشتركة، صاحبة 11 مقعدا، إلى 59، ومع "رعام" ذات المقاعد الثمانية إلى 56، ومع القائمتين معاً إلى 67. غير أن هذا العدد الأخير يضم "ليبرمان" الذي يرفض حكومة تعتمد على الصوت العربي؛ ولهذا فإن جمع الأصوات حسابيا لا يعني موافقة سياسية تلقائية. وإذا انسحبت مقاعد "ليبرمان" السبعة من هذا التحالف الحسابي، يصبح الرقم 60 فقط

داخل المعسكرات

الجديد أن "آيزنكوت" يريد اختبار هذه المعادلة في رئاسة الكنيست قبل مسألة الحكومة. فقد نقل "عميت سيغال" و"بن كسبيت"، في القناة 12 بتاريخ 31 أكتوبر، أن اسمه طُرح لتولي رئاسة البرلمان بدلاً من أمير أوحانا، على أن يغادر المنصب إذا أصبح عضوا في حكومة جديدة. وأكد الطيبي في المقابلة نفسها دعم تغيير رئيس الكنيست، وعدم مساندة اقتراحات الليكود لحجب الثقة عن الحكومة البديلة، أو المبادرة إلى حل الكنيست. ولم يطلب حقيبة وزارية أو مشاركة في الائتلاف.

لكن طريق "آيزنكوت" لا يخلو من اعتراضات. نقلت "يديعوت" صباح الأحد عن "يوفال كرني" و"موران أزولاي" و"أمير أتينغر" أن "الليكود" يحاول منع تغيّر السيطرة على "الكنيست"، عبر الضغط السياسي والطعن في شرعية الاعتماد على أصوات الأحزاب العربية، والبحث عن مترددين داخل المعسكر المقابل. وتبادلت الأحزاب اتهامات بشأن اتصالات مع نواب "يشار"، ولم يثبت وقوع انشقاق. وفي "القناة 13" نُقل عن مصادر مقربة من "آيزنكوت" رفضه حكومة وحدة مع "نتنياهو"، وهو موقف منسوب إلى المصادر وليس اتفاقا نهائيا بين الأحزاب

كذلك بدأ اختبار العلاقة مع الحريديم. كتب "بيني أشكنازي" في "إسرائيل اليوم"، يوم السبت، أن قوى معارضة تدرس قانون تجنيد يفرض على "الليكود" و"شاس" و"يهدوت هتوراة" اتخاذ موقف علني، مع بحث إلغاء قوانين تتعلق بالشرطة والنيابة واختيار القضاة.

لكن المشروع ما زال قيد الدراسة، ولا توجد موافقة حريدية رسمية على الانضمام إلى حكومة بقيادة "آيزنكوت" وتزداد حساسية الأمر بعد انخفاض شاس إلى ستة مقاعد وظهور تساؤلات بشأن مستقبل زعيمه "أرييه درعي".

"إسرائيل" تتحول

تُظهر هذه التطورات أن معركة ما بعد الحرب تتجاوز شخصية "نتنياهو" إلى التوازن بين جيش العدو والمرجعية اليهودية، وبين الحكومة والقضاء، وإلى من يملك حق التحقيق في إخفاق 7 أكتوبر.

ووضع "آيزنكوت" أربعة مبادئ للشراكة، تشمل تعريف" إسرائيل" "دولة يهودية وديمقراطية"، وواجب الخدمة، واحترام وثيقة الاستقلال، والتعامل مع حماس باعتبارهاً "تنظيماً إرهابياً" ينبغي إزالة قدرته العسكرية والحكومية في غزة. إلا أن الاتفاق مع الأطراف المعنية على المبادئ والتشريعات لا يزال غائباً.

وناقش "أمير أتينغر" في "يديعوت أحرونوت" صباح الأحد الصعوبات التي قد تعترض حكومة وحدة بين "نتنياهو" وآيزنكوت، خصوصاً لجنة التحقيق الرسمية وتجنيد الحريديم، مقابل مساحات تفاوض محتملة في القضاء والاستيطان.

وهذه قراءة صحفية لخيارات الطرفين، وليست دليلاً على تسوية أو تشكيل حكومة. كما أن انتخاب رئيس كنيست جديد لا يساوي تلقائيا منح الثقة لحكومة؛ فالفارق بين التصويتات التشريعية وبين اتفاق ائتلافي مستقر سيحدد ما إذا كان التحول مؤسسياً مستمراً أم مواجهة مؤقتة.

المؤشر العربي

حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعدا و"رعام" بقيادة منصور عباس على ثمانية، في حصيلة عربية مشتركة بلغت 19 مقعداً. غير أن لكل قائمة مسارها. عرض الطيبي دعما خارجيا لحكومة بديلة وربطه أيضا بمطالب المجتمع العربي، ومنها مواجهة الجريمة وهدم المنازل.

وذكرت "دانا فايس" و"دافنا ليئيل" في القناة 12 يوم 30 أكتوبر أن عباس لم يغلق الباب أمام شروط "آيزنكوت"، رغم تشاؤمه من فرص حكومة الأقلية، وهو تحفظ شرحه "عميت سيغال" في تقرير سابق.

وهكذا تدخل المشاركة العربية إلى صلب الصراع حول الشرعية السياسية. يتعامل جزء من اليمين مع دعم النواب العرب بوصفه عبئا على شرعية الائتلاف، بينما يطالب ممثلو الناخبين العرب بأن تُترجم أصواتهم إلى أثر في السياسات العامة. وفي الوقت ذاته ما زالت شبهات التدخل الخارجي وخروقات يوم الاقتراع خاضعة للتحقيق، بعدما نفت لجنة الانتخابات وجود دليل على تزوير منهجي يؤثر على النتائج. وليس في التحقيق بذاته ما يجيز اتهام جمهور أو حزب كامل

فلسطين والانتخابات

يبرز سؤال غزة بوصفه الاختبار الأكثر حساسية للفارق بين خطاب التغيير والقرارات الفعلية. فقد أكد "آيزنكوت" في شروطه ضرورة إنهاء القوة العسكرية والحكومية لحماس، وهو هدف يتقاطع مع خطاب حكومة "نتنياهو"، من دون أن يثبت تماثل المواقف من إدارة القطاع أو بقاء القوات أو شروط وقف الحرب. ولا تتضمن المستجدات خلال الفترة المراجعة "اتفاقاً إسرائيلياً جديداً" على الانسحاب أو إدارة المعابر أو إعادة الإعمار. لذلك فإن الحكم على أثر حكومة محتملة في حياة الفلسطينيين يحتاج إلى برنامج معلن وقرارات تنفيذية.

في تقرير نشرته "واي نت" للصحفية "تال أموداي" في 31 أكتوبر، حذرت وزيرة التنمية الألمانية من تعطيل الإغاثة مع اقتراب الشتاء بسبب الجمود "الحكومي الإسرائيلي". كما نقل التقرير دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى استئناف الحوار بعد تشكيل الحكومة، وإشارة فرنسية إلى أن سياسة باريس بشأن المستوطنات وحل الدولتين لن تنتظر تبديل "حكومة إسرائيلية". وتبقى الضفة والقدس المحتلة تحت تأثير "القرارات الإسرائيلية" بشأن الاستيطان وعنف المستوطنين والصلاحيات الأمنية. ولم يرصد التقرير قرارا جديدا مثبتا خلال الساعات الأخيرة بشأن الضم أو القدس يبرر وصفه بتحول انتخابي

الإقليم والاقتراع

زاد احتمال التصعيد مع إيران حضور الملف الأمني في مفاوضات ما بعد الاقتراع. وقد كتب باراك "رافيد ونير دفوري" في القناة 12 يوم السبت عن مسار تفاوضي لا يزال مفتوحا، بالتزامن مع إعداد عسكري وتصريحات أميركية متحفظة حيال قرار الحرب. وتزامن ذلك مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في 3 نوفمبر. لا تقدم هذه المؤشرات دليلا على موعد مؤكد لهجوم، لكنها تفتح سؤال صلاحيات حكومة "نتنياهو" القائمة خلال المفاوضات، ومدى تعاون المعارضة معها إن وقع تصعيد.

معركة الحكومة

يتوزع الطريق السياسي بين محاولة "نتنياهو" جذب مقاعد إضافية، ومساعي "آيزنكوت" إلى اتفاق أقلية مع دعم أو امتناع عربي، وإمكان تفاهمات تشريعية تسبق الحكومة، أو التوجه إلى الوحدة أو انتخابات أخرى إذا تعذرت الثقة. ويرى الباحث "رئام عميناح"، في بودكاست نشرته "واي نت" صباح الأحد، أن الحكومة يمكن نظريا أن تحصل على الثقة بأغلبية من يصوتون، وليس بالضرورة 61 صوتا مؤيدا، إذا امتنع بعض النواب. لكن المثال الدستوري لا يعني أن الامتناع قد اتُّفق عليها أو أن معارضة ليبرمان انتهت.

الخلاصة

·      تغير اليوم مستوى التنسيق البرلماني وتعهدات الدعم من الخارج، بينما استقرت المقاعد عند 53 و48 و19.

·      يبدأ اختبار النوايا بترشيح رئيس الكنيست ومواقف ليبرمان والقائمتين العربيتين، لا بتصريحات المنتصرين.

·      وتبقى غزة والضفة والقدس المحتلة أمام سؤال السياسة الفعلية، الذي لا تحسمه الأرقام ولا تبدل اسم رئيس الحكومة وحده.