ترجمة الهدهد

مع مرور خمسة أيام على انتخابات الكنيست الـ 26، تتسارع الاتصالات والمشاورات السياسية المكثفة في كلا المعسكرين "الإسرائيليين" استعداداً لبدء جولة المشاورات الرسمية مع رئيس كيان العدو "إسحاق هرتسوغ" يوم الأربعاء المقبل، والتي سيقدم خلالها رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي "نوعام سولبرغ،" النتائج الرسمية للانتخابات.

وأسفرت النتائج عن مأزق بنيوي واضح؛ إذ لم يحصل أي من المعسكرين على الأغلبية البرلمانية، حيث حصدت كتلة "بنيامين نتنياهو" 53 مقعداً، وكتلة "التغيير" 48 مقعداً، بينما نالت أحزاب "راعام" والقائمة المشتركة 19 مقعداً، مما فتح باب الصراع على مصراعيه حول التوصيات الرئاسية، وشبكات الدعم الخارجي، وإمكانية تفكيك التحالفات أو بناء شراكات غير تقليدية.

وفي هذا السياق، أصدر رئيس حزب "يشار!"، "غادي آيزنكوت"، بياناً مطولاً وحاسماً وضع فيه أربعة مبادئ رئيسية ناظمة لأي محادثات لتشكيل الحكومة، معلناً استعداده للتعاون مع كل من يوقع عليها، سواء من الأحزاب المتشددة أو الفصائل العربية أو حتى أعضاء "كتلة نتنياهو".

وتشمل هذه المبادئ: الاعتراف بـ "إسرائيل" كـ "دولة" يهودية، ديمقراطية، ليبرالية ومتساوية؛ الالتزام بقيم إعلان الاستقلال؛ فرض الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية الإجبارية على جميع "الإسرائيليين" دون استثناء؛ والاعتراف بحماس منظمة إرهابية وضرورة تدمير قوتها العسكرية والحكومية.

غير أن هذه الشروط تصطدم بعقبات معقدة، أبرزها رفض الأحزاب الحريدية لمطلب التجنيد الإلزامي، إضافة إلى التباينات الحادة حول الشراكة مع النواب العرب.

 

توازياً مع ذلك، يواجه تحالف "التغيير" صعوبات بالغة في توحيد صفوفه بسبب الفجوة الهائلة بين عدد مقاعده المحدودة وقدرته على حشد أغلبية حكومية.

ويبرز رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، "أفيغدور ليبرمان"، كعقبة رئيسية في وجه تشكيل الحكومة، رافضاً المشاركة في أي ائتلاف يضم الحريديم أو يعتمد بأي شكل على أصوات الأحزاب العربية، حتى من خارج الائتلاف.

وفي المقابل، يدرس معسكر "التغيير" خيارات بديلة وأخيرة لكسر الجمود، من بينها تشكيل حكومة أقلية تعتمد على امتناع بعض الحزاب عن التصويت (مثل إجراء مباحثات غير رسمية مع أطراف من حزب "يهدوت هتوارة" السياسيين للضغط على نتنياهو بسبب أزمة التجنيد)، أو طرح تشريع برلماني جريء يسمح بـ "انتخاب رئيس الوزراء مباشرة دون حل الكنيست" لمعالجة حالة تعارض الأغلبية دون اتفاق على حكومة بديلة.

على الصعيد البرلماني، تسعى كتلة "التغيير" لإحداث تغيير فوري في خريطة اللجان وجدول الأعمال من خلال استبدال رئيس الكنيست الحالي، وسط إشارات إيجابية من نواب القائمة المشتركة مثل أحمد الطيبي بعدم معارضة هذه الخطوة وعدم تقديم اقتراحات حجب ثقة يدعمها الليكود، دون أن يعني ذلك التزاماً نهائياً بمنح الثقة لحكومة برئاسة "آيزنكوت".

 وفي المقابل، يحافظ "نتنياهو" على تماسك معسكره بـ 53 مقعداً، مكثفاً اجتماعاته مع حلفائه في اليمين المتطرف (إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش) ومستعداً لممارسة ضغوط سياسية وشعبية لمنع توحد المعارضة.

وتحظى هذه التطورات بمتابعة دقيقة من الإدارة الأمريكية؛ حيث تشير التقارير الدبلوماسية إلى تفضيل أطراف في واشنطن لحكومة وحدة وطنية في الكيان تتيح تنفيذ خطط الرئيس "دونالد ترامب" الإقليمية بمعزل عن أقطاب اليمين المتطرف، ودون أن يصدر موقف رسمي بهذا الشأن حتى الآن.

وفي الشأن الأمني، ألقى "آيزنكوت" بثقله خلال الانتقالية مؤكداً أن أهداف الحرب لم تتحقق، وتعهد بعدم منح الدعم للتحركات العسكرية الهجومية إلا في حالات التهديد الوجودي المباشر الذي لا يحتمل التأجيل لحين استقرار السلطة الجديدة، بينما تتواصل هجمات المستوطنين في الضفة الغربية لتعقيد المشهد السياسي أكثر أمام مساعي المعارضة.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "آنا بارسكي"