ترجمة الهدهد

اعتبرت "أنات هوشبرغ-ماروم" الخبيرة في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية، أن تصاعد الاحتجاجات في الشوارع الإسبانية ليس مجرد موجة غضب اجتماعي عابرة، بل هو كرة ثلج جيوسياسية تُدشن ظاهرة "خريف أوروبا الساخن" وتُهدد استقرار القارة بأكملها.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تواجه فيه إسبانيا تداعيات اقتصادية وسياسية متسارعة، حيث تسببت الاحتجاجات الشبابية المنتشرة بالتوازي في "فرنسا" و"إيطاليا" و"البرتغال" و"بلجيكا" و"اليومنان" و"صربيا" و"ألبانيا" و"ألمانيا" و"سويسرا" بأضرار بالغة بقطاعات التجارة وسلاسل التوريد والسياحة، والتي تُعد الركيزة الأساسية للاقتصاد الإسباني بإنتاج يتجاوز 218 مليار يورو سنوياً وأكثر من 70 مليون سائح.

وتعود جذور الاحتقان الشعبي في "إسبانيا" إلى مأساة طرد امرأة مسنة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها في "مدريد" عقب رفع الإيجار بنسبة 230% من قبل صندوق استثمار عقاري، وهي الحادثة التي وفاتها في 7 أكتوبر موجة غضب عارمة في ظل أزمة سكن حادة شهدت ارتفاع الإيجارات بنسبة 80% وأسعار الشراء بنسبة 65% خلال العقد الماضي.

ويتزامن هذا التوتر الاجتماعي مع ضغوط سياسية شديدة يواجهها رئيس الوزراء "بيدرو سانشيز"، تشمل إضراباً عاماً شلّ قطاعات النقل والسياحة قبيل الاستعدادات لأسواق عيد الميلاد، إلى جانب انتخابات مبكرة تشير الاستطلاعات فيها إلى تفوق كتلة اليمين المحافظ وحزب "فوكس" اليميني المتطرف، فضلاً عن تفاقم أزمة الهجرة في "سبتة" إثر عبور عشرات الآلاف من المهاجرين عبر الحدود المغربية.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، توضح "أنات هوشبرغ-ماروم" أن "إسبانيا" تقبع حالياً داخل فخ ثلاثي مميت يتألف من الصدمات الداخلية والتهديدات الأمنية المتزايدة من "روسيا" عبر الهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية، إضافة إلى الاحتكاك المباشر والتوتر الشديد مع إدارة "دونالد ترامب" في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب رفض "مدريد" تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي في حلف "الناتو" ومعارضتها استخدام قواعدها العسكرية ضد إيران.

ورغم الانتعاش الاقتصادي النموذجي وارتفاع ميزانية الدفاع الإسبانية لتصل إلى 40.2 مليار دولار في عام 2025، إلا أن حل البرلمان في "مدريد" يعكس عجز مؤشرات النمو وحده عن معالجة المشكلات الهيكلية المتجذرة مثل تآكل القوة الشرائية وارتفاع الدين العام وتفاقم أزمة السكن.

وفيما يتعلق بالتأثيرات المباشرة على "إسرائيل"، يُتوقع أن تؤدي هذه الأزمات المتلاحقة وتصاعد التيار الشعبوي والمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين إلى دفع الحكومة الإسبانية نحو تبني مواقف أكثر حدة وتشدداً ضد "إسرائيل"، تضاف إلى خطواتها السابقة كالاعتراف بالدولة الفلسطينية وتقييد الصادرات الدفاعية والتعاون التكنولوجي.

واختتمت الخبيرة الجيوسياسية تحليلها بالإشارة إلى أن تراجع دور "إسبانيا" قد يعمق الانقسامات داخل "الاتحاد الأوروبي" بين المعسكر الجنوبي الغربي الراغب في اتخاذ إجراءات صارمة ضد الكيان ودول وسط وشمال أوروبا المعارضة لذلك، ما يضع قيادة العدو أمام تحدٍ ثنائي ومتعدد الأطراف لمنع الأزمة الإسبانية من التحول إلى محفز لانقسام أوروبي أوسع يُعطل السياسات الموحدة في الشرق الأوسط.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "أنات هوشبرغ-ماروم"، خبيرة في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية.