ترجمة الهدهد

استعرض الكاتب "جدعون ليفي" ظاهرة السياسي الأمريكي المسلم من أصول مصرية "عبد الرحمن السيد"، متوقفاً عند مشهد ساخر وثقت فيه الأنباء مقولته الموجهة لنائب الرئيس الأمريكي "جيه دي فانس": "يا عزيزي جيه دي، هناك مفارقة خفية في حقيقة أنك ملزم دستورياً بتأدية اليمين لي في يناير".

وأبرز "ليفي" بكثير من الإعجاب والسرور علامات البهجة والجرأة التي أظهرها "السيد" في مواجهة "فانس" — بعد أن وصفه سابقاً بأوصاف حادة من قبيل "ابن عرس صغير" و"رجل لئيم" و"مختل عقلياً بعض الشيء" — قبل أن يلتفت نحو "دونالد ترامب" ليعلق بخفة ظل على صعوبة نطق اسمه الأول، خاطباً إياه بثقة: "من الآن فصاعداً، يمكنك مناداتي بالسيناتور".

ويُشير "ليفي" في مقالة إلى أن الولايات المتحدة تشهد ولادة نجم سياسي بارز يُشبه في جوهره وسحره الشخصي وتدفق جاذبيته بدايات "باراك أوباما"؛ كلاهما متشابهان في الجوهر والقدرة على الخطابة.

وفي الوقت الذي استقبلت فيه الدوائر المتعصبة والمُصابة بجنون العظمة بالكيان فوز هذا الطبيب — وهو ابن لمهاجرين مصريين — باعتباره "انتصاراً للشيطان وخطراً وجودياً بداعي كراهيته لإسرائيل ومعاداته للسامية"، رأى العالم الأكثر استنارة في انتخابه دليلاً متجدداً على أن أمريكا هي أرض الإمكانيات غير المحدودة.

ويرى "ليفي" أن فوز "السيد" وإنجازات المرشحين التقدميين يعيد لأمريكا عظمتها الحقيقية — خلافاً لمفهوم أنصار شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" — ويُبشر بالخير لأمريكا والعالم، وربما لـ "إسرائيل" ذاتها في قادم الأيام.

ولم يخفِ "ليفي" إعجابه بسحر "السيد" الشخصي، وجاذبيته، وخفة ظله، ودفئه، وثقته العالية بنفسه، مؤكداً أنه من الجيد أحياناً رؤية فرد مسلم من أبناء المهاجرين العرب يتعامل بثقة وتفوق علني أمام الأغلبية البيضاء؛ وهي ظاهرة غائبة تماماً في "إسرائيل"، حيث لم يظهر حتى الآن "سيد إسرائيلي" يستطيع كسر هذا الحواجز.

ويتعمق "ليفي" في تحليل الخريطة الانتخابية لولاية ميشيغان التي أصلت "السيد" إلى مجلس الشيوخ، مبيناً أنها تضم نحو 10 ملايين نسمة (وهو رقم يماثل سكان إسرائيل)، فيما لا تتعدى نسبة العرب فيها 3% إلى 4%.

وبناءً عليه، يرى "ليفي" أنه لا جدوى من البحث عن أسباب هذا النجاح في أصوات الأقلية العربية وحدها؛ فقد صوّتت ميشيغان لـ "السيد" بغض النظر عن أصوله، تماماً كما صوّتت نيويورك لصالح "زوهاران ممداني" بغض النظر عن دينه.

وهنا يضع "ليفي" يده على النقطة الجوهرية التي تثير "غيرة الإسرائيليين": تطبيع وضع المسلمين واليساريين الاشتراكيين الذين يُنتخبون في أمريكا رغم هويتهم لا بسببها.

وهي ظاهرة غريبة كلياً على "إسرائيل"؛ فصحيح أن هناك عرباً يُنتخبون في "الكنيست الإسرائيلي"، لكن لا يوجد بينهم من يُنتخب رغم هويته بأصوات الأغلبية اليهودية.

 ويثير "ليفي" تساؤلاً تخيُّلياً حول إمكانية انتخاب رئيس بلدية عربي لمدينة مثل "تل أبيب"، ليس بأصوات سكان يافا فحسب، بل بأصوات أغلبية سكان "تل أبيب" اليهود؛ وهو أمر لم يحدث وربما لن يحدث أبداً.

ورغم إقراره بالفارق بين طبيعة العلاقات اليهودية العربية داخل "إسرائيل" وبين تجربة المهاجرين في أمريكا، يرى "ليفي" أن ظاهرة "ممداني" و"السيد" تستدعي التفكير العميق، فالسيناتور الجديد أوضح موقفه الصريح تجاه "إسرائيل" واليهود خلال استضافته في برنامج "مورنينغ جو"، مؤكداً أنه نشأ بين اليهود، وحضر مناسبات "البار متسفا" و"البات متسفا"، وتعلم تقدير الديانة اليهودية ومساهمات اليهود في أمريكا.

ويجزم "ليفي" بأن انتقادات "السيد" اللاذعة لـ "الحكومة الإسرائيلية" لا علاقة لها بكراهية اليهود، فهو ومن على شاكلته يعارضون مبدئياً تمويل دولة ترتكب جرائم حرب وتخوض حروباً بالخيار، وهو موقف يراه الكاتب جديرًا بالتقدير ويشاركه فيه حتى بعض "الإسرائيليين" الذين يتساءلون بدوره حول أين يمكن أن تقام الدولة الفلسطينية تحديداً في ظل واقع الاستيطان.

ويختتم "ليفي" مقاله بتأكيد أن "ممداني" و"السيد" يمثلان وجهين شابين، يساريين، وذوي ضمير حي في أمريكا لن يوافقا على استمرار التمويل الأمريكي لحروب "إسرائيل"، ويكشف أن "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية" (أيباك) ضخت نحو 30 مليون دولار لمنع "السيد" من التغلب على حليفة -إسرائيل- "هايلي ستيفنز" في تصفيات الحزب الديمقراطي، إلا أنه هزمها، لتزداد الفرحة بفوزه بالنظر إلى مقابلاتها المحرجة بعد الخسارة.

وينتهي المقال بتأكيد أنه يحق لـ "الإسرائيلي" أيضاً أن يفرح بانتخاب رجل مبادئ مؤثر، ينتمي إلى أقلية، بل وحتى مسلم، موجهاً له التحية الحارة: "عزيزي عبد الرحمن السيد، تحياتي أيضاً من إسرائيل".

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "جدعون ليفي"