شبكة الهدهد

مقدمة

لم يخرج من صناديق انتخابات الكنيست الـ 26 فائز قادر على تشكيل حكومة بمفرده، فبعد اكتمال الفرز، استقر "معسكر بنيامين نتنياهو" على 53 مقعداً، ومعسكر منافسه "غادي آيزنكوت" على 48 مقعداً، وحصدت القائمتان العربيتان 19 مقعداً، وبذلك انتقلت المعركة من حشد الناخبين إلى البحث عمن يقبل التعاون مع من تحت سقف 61 مقعداً اللازم للأغلبية المستقرة، وتظل الحصيلة المعلنة قابلة لتصحيحات طفيفة قبل النشر القانوني بحلول 4 نوفمبر.

خلال الساعات الت 24 السابقة لصباح السبت 31 أكتوبر لم تتغير خريطة المقاعد، لكن القناة 12 كشفت مساء الجمعة مرونة مشروطة لدى رئيس "رعام" منصور عباس تجاه "شروط آيزنكوت"، بينما جدد رئيس "إسرائيل بيتنا" "أفيغدور ليبرمان" رفض الاستناد إلى الأحزاب العربية، وفي الوقت نفسه انضم الموساد إلى تحقيق الشاباك في شبهات تدخل خارجي، مع تأكيد لجنة الانتخابات أن التحقيق لا يبدل النتائج، وهكذا بقي المشهد الانتخابي مستقراً رغم ضجيج الحملة، بينما ازدادت صعوبة تحويل الحساب البرلماني إلى حكومة.

معركة الـ61

حصل الليكود على 27 مقعداً، ويشار على 21، وقائمة "معاً" بقيادة رئيس وزراء العدو الأسبق "نفتالي بينيت" وبمشاركة "يائير لبيد" على 12، والمشتركة على 11، وحقق الديمقراطيون بقيادة "يائير غولان" و"رعام" ثمانية مقاعد لكل منهما؛ وحصلت "إسرائيل بيتنا" و"يهدوت هتوراه "و"القوة اليهودية" على سبعة لكل منها، و"شاس" و"الصهيونية الدينية–زيهوت" على ستة لكل منهما، وبقي تحالف "الاحتياطيون–الاقتصادية" قرب 2،7% وقائمة "عمخ يسرائيل" قرب 1،7%، دون نسبة الحسم 3،25%.

تُظهر المقارنة بين انتخابات 2022 و2026 تحولاً مهماً: خسر "معسكر نتنياهو" 11 مقعداً، بعدما كان يملك 64، رغم حصوله على نحو 83 ألف صوت إضافي، بحسب تحليل "يرون دروكمان" في" يديعوت أحرونوت" المنشور في نهاية الأسبوع، حدث ذلك لأن المشاركة العامة ارتفعت إلى نحو 77،7%، وزاد عدد المصوتين بنحو الخمس، وتسارعت المشاركة العربية، وعليه ليست الخسارة كلها انتقالاً مباشراً لأصوات اليمين إلى "آيزنكوت"؛ إنها أيضاً تغير في الوزن النسبي للكتل ونسبة الإقبال.

داخل المعسكرات

يملك "نتنياهو" الحزب الأكبر قاعدة "يهودية–قومية" منظمة، لكنه يفتقر إلى 8 مقاعد، وإضافة "ليبرمان" وحده تمنحه 60 مقعداً فقط، فضلاً عن رفضه الجلوس مع "نتنياهو"، وتمنح قائمة "معاً" معسكره 65 حسابياً إذا انضمت إليه بكاملها، لكن هذا يتطلب التخلي عن وعود انتخابية، وربما إبعاد "بن غفير" و"سموتريتش"، وعندئذ تتغير المعادلة، واجتمع "نتنياهو" بـ "سموتريتش" بعد الفرز لتنسيق المواقف، ما يشير إلى استمرار تحالفه القائم.

في معسكره برزت أزمة "شاس"، التي انخفضت من 11 إلى ستة مقاعد، وأورد "إيلي هيرشمان" في القناة 12 يوم 30 أكتوبر أن الحزب فقد نحو مئة ألف صوت وأن مقربين من رئيسه "أرييه درعي" يتحدثون عن احتمال اعتزاله، من دون صدور قرار، ويكشف التراجع عن كلفة أزمة تجنيد الحريديم داخل القاعدة التقليدية، لكنه لا يثبت أن شاس مستعدة للانضمام إلى "آيزنكوت".

أما "آيزنكوت" فحصد 21 مقعداً وأعلن عزمه تشكيل حكومة جديدة، والتقى "بينيت" للبحث في سبل ذلك، وتفرض شروطه، وأبرزها تجنيد الجميع أو الخدمة الوطنية والاعتراف بـ "إسرائيل" دولة يهودية ديمقراطية، صعوبة في بناء تحالف يضم الحريديم أو الأحزاب العربية، وتبقى قائمة "بينيت–لبيد" بـ12 مقعداً حليفاً ضرورياً لكنها ليست امتداداً آلياً ليشار، فيما يحمل ليبرمان سبعة مقاعد وموقفاً يمينياً علمانياً أكثر تشدداً ضد الشراكة العربية.

في المقابل، التقى "غولان" رئيس "رعام" ودعا إلى حكومة بديلة، ويطالب بتغيير رئيس الكنيست وإصلاحات في النظام السياسي، وهنا يظهر الفارق بين القوى المناهضة لـ "نتنياهو": بعضها يميني، وبعضها وسط، وبعضها يسار صهيوني، ولا يجمعها تصور واحد للفلسطينيين أو الدين و"الدولة".

إسرائيل تتحول

ترتسم من النتائج ثلاثة تحولات: تراجع أغلبية اليمين الديني من 64 إلى 53 مقعداً، وتحول القوة الانتخابية العربية إلى 19 مقعداً، وعجز البديل الصهيوني الذي يتزعمه "آيزنكوت" عن الاستقلال بأغلبية برلمانية، ويقول تحليل نشره الباحث "ميخائيل ميلشتاين" في "يديعوت أحرونوت" يوم 30 أكتوبر إن المشاركة العربية تجاوزت 80%، بعد سنوات تفاوت فيها الحماس للاقتراع، وتظهر هذه الحركة حجم الاعتراض على سياسات "بن غفير" و"سموتريتش"، لكنها لا تكفي وحدها لضمان أثر حكومي.

بالتوازي تجدد اختبار الثقة بالمؤسسات، أعلن الموساد يوم الجمعة انضمامه إلى الشاباك في فحص شبهات تأثير خارجي في الانتخابات، بعد تغطيات ذكرت قطر وتركيا، ورغم خطورة أي تمويل غير مشروع، أكدت لجنة الانتخابات أنه لا توجد معلومات مثبتة عن تزوير منهجي وأن التحقيق لا يؤثر في النتائج الحالية، ونشرت ynet تفاصيل تحقيق منفصل بشأن توقيف ناشطين من رعام، بينها أن معلومة وصلت إلى شرطة العدو من مكتب رئيس الحكومة، مع استمرار فحص الأدلة؛ ولا يجوز جمع القضيتين أو اعتبار أي اتهام حكماً قضائياً.

يعكس النقاش أيضاً عودة ملفات التجنيد والمحكمة العليا ولجنة تحقيق 7 أكتوبر إلى قلب تشكيل الحكومة، وإذا نجح معارضو "نتنياهو" والعرب في الاتفاق على انتخاب رئيس جديد للكنيست عند انعقاده في 10 نوفمبر، فسيكون ذلك مؤشراً على قدرة تصويتية مشتركة، وليس دليلاً كافياً على وجود حكومة بديلة.

فلسطين والانتخابات

حققت القائمة المشتركة بقيادة يوسف جبارين 11 مقعداً، ورعام بقيادة منصور عباس 8 مقاعد، بزيادة إجمالية من عشرة مقاعد عربية في انتخابات 2022 إلى 19، ووفق تحليل "يديعوت احرونوت" وارتفع مجموع الأصوات للقوائم العربية من نحو 511 ألفاً إلى 835 ألفاً، وزادت المشاركة في سخنين إلى 86،4%، لكن القائمتين لا تشكلان كتلة تفاوضية واحدة؛ فالمشتركة مستعدة لإسناد إسقاط "نتنياهو" من الخارج، بينما تحاول رعام انتزاع شراكة سياسية تتيح معالجة قضايا الجريمة والأرض والميزانيات والخدمات في المجتمع العربي.

قال عباس، وفق تقرير "دانا فايس" و"دافنا ليئيل" بـ "القناة "12 في 30 أكتوبر، إن الفرصة ضئيلة لكنها ممكنة إذا التزم الشركاء بالتغيير وأظهروا مرونة تجاه "شروط آيزنكوت"، أما "ليبرمان" فكرر رفضه الاعتماد على القائمتين العربيتين، حسابياً، يمتلك "معسكر آيزنكوت" 56 مقعداً مع "رعام"، و59 مع المشتركة، و67 مع الاثنين؛ لكن أرقام الجمع هذه ليست اتفاقاً سياسياً، ويستطيع المعسكر نظرياً إقامة حكومة أقلية فقط في ترتيبات خاصة للتصويت أو الامتناع، وهو أمر غير متوافر حتى الآن.

في غزة لا تظهر مادة موثقة جديدة خلال يوم الجمعة تثبت تبدل مواقف الأطراف، يربط "نتنياهو" وحلفاؤه المتشددون مستقبل القطاع بالسيطرة العسكرية ونزع سلاح حماس، بينما يشدد "آيزنكوت" على القضاء على حماس ويرفض إقامة دولة فلسطينية في حكومة يقودها، وهذا يعني أن خلافه مع "نتنياهو" لا يصنع تلقائياً مساراً نحو السيادة الفلسطينية، أما "غولان" فيدعو إلى ترتيبات سياسية وأمنية بديلة لهيمنة حماس مع وقف مشروع الضم في الضفة، وستتحدد آثار الحكومة المقبلة على الغزيين في مستقبل الانسحاب وإعادة الإعمار والمساعدات والإدارة المدنية.

وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة، يكمن الفارق بين قوى تواصل توسيع الاستيطان وترسيخ السيطرة، وأخرى تقترح ضبط البؤر وعنف المستوطنين وإعادة قنوات التنسيق مع السلطة الفلسطينية، ولم تقدم نتائج الانتخابات ضمانة لإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية؛ فـ "آيزنكوت" و"بينيت" يحملان أيضاً مواقف يمينية في مسألة السيادة والحدود، ولهذا فإن أول اختبار فلسطيني للحكومة المقبلة سيكون قراراتها العملية لا شعاراتها.

الإقليم والاقتراع

حذرت "وكالة فيتش" يوم الجمعة من احتمال شلل سياسي ممتد وصعوبة إقرار ميزانية 2027، ورجحت انتخابات مبكرة مطلع أبريل إذا فشلت المساعي، وهو تقدير اقتصادي لا قرار رسمي، وفي المقابل نشر أوهاد حمو بالقناة 12 أن جهات إيرانية تتخوف من ضربة "إسرائيلية–أمريكية" عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر، وليس ثمة قرار حربي موثق؛ لكن احتمال التصعيد قد يُطرح حافزاً لحكومة طوارئ أو مبرراً لتمديد وضع حكومة تصريف الأعمال، لذلك ينبغي اختبار أي حديث عن هذا السيناريو بالتصريحات والإجراءات لا بالتكهنات.

معركة تشكيل الحكومة

سيكون رئيس كيان العدو "إسحاق هرتسوغ" أمام مفترق مهم بعد نشر النتائج رسمياً بحلول 4 نوفمبر، يستمع إلى توصيات القوائم ثم يكلف صاحب الفرصة الأكبر بتشكيل حكومة، وليس بالضرورة زعيم الحزب الأكبر، ويبدأ الكنيست الجديد جلساته في 10 نوفمبر، ويُمنح المكلف 28 يوماً مع إمكان تمديد حتى 14 يوماً إضافية، وقد يفتح الفشل باب تكليف آخر أو انتخابات جديدة.

السيناريو الأكثر تعقيداً لـ "نتنياهو" هو اجتذاب كتلة من خصومه مقابل تغيير الشركاء أو تعديل برنامجه؛ والأقرب حسابياً لـ "آيزنكوت" هو اتفاق 48 مقعداً صهيونياً مع دعم عربي، وهو الأصعب بسبب خطوط ليبرمان الحمراء، وقد تزداد أهمية "يهدوت هتوراه" في محادثات لاحقة، لكن ليس هناك اتفاق مع "آيزنكوت"، كما يبقى تفكك قائمة "بينيت–لبيد" أو انشقاق أعضاء من الليكود مجرد احتمالات بلا دلائل كافية، وإذا تعذرت التسوية سيستمر "نتنياهو" بتصريف الأعمال إلى أن تتشكل حكومة أو يدعى إلى اقتراع جديد،

الخلاصة

·      لم يتغير ميزان المقاعد خلال الساعات الأخيرة؛ الذي تغير هو وضوح حدود التحالفات واحتدام الجدل حول شرعية الاقتراع.

·      تكشف النتائج "إسرائيل" أقل استعداداً لمنح معسكر واحد تفويضاً منفرداً، وأكثر اعتماداً على أصوات عربية تتعرض في الوقت نفسه للتشكيك السياسي.

·      غداً ينبغي متابعة تفاهم "آيزنكوت" و"بينيت"، موقف ليبرمان، تطورات تحقيق الشاباك والموساد، وأول خطوات ما قبل تكليف تشكيل الحكومة.